شارل فؤاد المصري يكتب :عبدول السيد.. يارب تكونوا مبسوطين
اعلم قبل أن اكتب هذا المقال أنه سيجلب هجوما شخصيا واستحسانا قليلا لمجرد أن كاتبه تختلف هويته الدينية عن هوية من يكتب عنه ويتناوله.. ولكن التدقيق والإنصات الجيد والقراءة الفاحصة للمواقف قد تغير رأيك عزيزي القارئ ..أو علي الاقل تجعله يتأرجح بين الواقع والمأمول والي المقال :
احتفاء أعمى بالهوية وتجاهل صريح للمواقف وغباء سياسي من بعض المحسوبين علي النخبة التي انضمت للعوام في رأيها وتكرار يصل الي بنا درجة القرف .
في مجتمعاتنا العربية مع كل استحقاق انتخابي في الغرب لدرجة أنها اصبحت ظاهرة مجتمعية وسياسية تتدفق فيها عواطف الابتهاج والانبهار بمجرد صعود سياسي يحمل اسما عربيا أو يدل علي هوية دينية أو ينحدر من أصول عربية أو يمتلك جذورا عائلية في إحدى دول المنطقة. يطغى هذا الحماس العاطفي السريع على منصات التواصل الاجتماعي ويحتفى بهذا الصعود وكأنه نصر تاريخي للأمة دون أدنى تدقيق في الخلفيات الفكرية أو البرامج السياسية أو التوجهات الفعلية لهؤلاء السياسيين.
الشخصية التي تتناولها هي عبدول (عبد الرحمن) السيد السياسي والأكاديمي الأمريكي من أصل مصري والمرشح الفائز في الانتخابات الأمريكية أحدث هذه النماذج الحية لهذه الحالة من الاندفاع الشكلي حيث واجه احتفاء واسعا من شريحة كبيرة لم تنظر سوى لإسمه وأصوله.
إن هذا الاحتفاء السريع يكشف عن حالة متقدمة من التسطيح السياسي والغفلة التامة عن القواعد البراجماتية التي تحكم عالم السياسة والغرب تحديدا.
فالفرحون بعبد الرحمن السيد لمجرد هويته الدينية أو قوميته السابقة يقعون في فخ ما يعرف بـ "سياسات الهوية" الساذجة متناسين أن السياسي في الغرب يحكمه أولا وأخيرا فكره الحزبي وانتماؤه الأيديولوجي وسعيه المستمر لإرضاء قاعدته الانتخابية المحلية.
وما يدعو للدهشة حقا هو أن هذا الانبهار يأتي تجاه رجل لم يخفِ يوما توجهاته العدائية الحادة ولم يتورع في مناسبات عدة عن توجيه ضربات كلامية وسياسية واضحة ومباشرة للمؤسسات الوطنية المصرية.
تتضح هذه المفارقة بقوة ووضوح عند فحص التصريحات والمواقف المعلنة لعبدول السيد تجاه مصر ففي الوقت الذي كان البعض يهلل باسمه كان هو يقود خطابات علنية تطالب بوقف أو فرض شروط مجحفة على المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة لمصر.
فقد عبر عن رأيه بوضوح وفي أكثر من منصة عن رفضه التام لاستخدام أموال الضرائب الأمريكية في دعم الحكومة والمؤسسات الأمنية المصرية مستخدماً أدبيات وأوصافا حادة تعكس تبنيا كاملا للروايات الغربية المنحازة ضد مصر .
بل إنه تجاوز ذلك لوصف الإدارة السياسية في مصر بأنها تفرض "قبضة خانقة" على الشارع متجاهلا التحديات الجسيمة والظروف الاستثنائية التي تخوضها الدولة لحماية أمنها القومي واستقرارها الإقليمي.
ولم تقتصر هجماته على المساعدات أو التصريحات الصحفية العابرة بل امتدت لتشمل مؤلفاته ولقاءاته الفكرية إذ خصص في كتابه (Healing Politics) مساحات لتوجيه الاتهامات الصريحة لمؤسسات الدولة المصرية في ملفات حقوق الإنسان وحرية التعبير من منظور يفتقر للقراءة الموضوعية لواقع المنطقة وتوازناتها.
وحتى عندما تعرض لعبارات مشككة أو محاولات ربطٍ بينه وبين تنظيمات سياسية حظرها القانون المصري وأقصد جماعة الاخوان الارهابية اقتصرت ردوده على السخرية وتوظيف تلك الاتهامات لصالح سجالاته الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة دون أن يبدي أدنى مراعاة أو احترام للمخاوف والأولوية الوطنية للدولة المصرية.
إن التقييم المنطقي للشخصيات العامة في الساحة الدولية ينبغي أن يستند إلى قاعدة صلبة من المصالح الوطنية والبرامج الفعلية لا إلى الشعارات العاطفية أو الانتماءات الجغرافية السابقة.
إن الفرحة الشكلية بعبد الرحمن السيد ليس مجرد خطأ في التقدير بل هو تعمية كاملة تجاه تصريحات ومواقف هاجمت الدولة ومؤسساتها الوطنية بضراوة.
وما لم تتخلص الثقافة الجمعية من هذه السطحية السياسية سنظل نمنح تصفيقنا المجاني لمن يهاجمون دولنا لمجرد أن أسماءهم تشبه أسماءنا.
وفي النهاية يارب تكونوا مبسوطين .
الكاتب صحفي وباحث في العلوم السياسية





