بقلم: نادر شكري
لماذا يحتفل بعض العرب والمصريين بفوز مرشح في الانتخابات الأمريكية باعتباره انتصارًا دينيًا، وكأن وصوله إلى موقع سياسي يعني انتصارًا  الدين؟ ولماذا نُحمّل فوز أي مرشح أبعادًا دينية أو عرقية، بينما الحقيقة أن الانتخابات في جوهرها تقوم على اختيار الناخب للمرشح الذي يرى أنه قادر على تحقيق مصالحه وتلبية احتياجاته؟

علينا أن نفهم أن المرشح، حتى لو كان من أصول عربية أو مصرية، فإنه مواطن أمريكي يخوض الانتخابات داخل النظام السياسي الأمريكي، ويخاطب ناخبين أمريكيين، ويقدم لهم برنامجًا انتخابيًا. وهؤلاء الناخبون لا يذهبون إلى صناديق الاقتراع بحثًا عن جنسية أجداد المرشح أو ديانته، وإنما يبحثون عمن يقنعهم ببرنامجه وقدرته على معالجة مشكلاتهم.

فالناخب الأمريكي، في الغالب، تشغله قضايا حياته اليومية؛ الاقتصاد، وارتفاع الأسعار، والرعاية الصحية، والضرائب، وفرص العمل، ومستوى الخدمات. ولذلك فإن التصويت لأي حزب أو مرشح يرتبط بمدى اقتناع الناخب بقدرته على تحسين أوضاعه، وقد يكون التصويت أيضًا رسالة رفض لسياسات الإدارة الحاكمة، ومحاسبة لها على قراراتها ونتائجها.

ومن هنا، فإن ما يحدث في الانتخابات الأمريكية ينبغي أن يُقرأ باعتباره ممارسة ديمقراطية، وليس انتصارًا دينيًا أو عرقيًا. فالناخب لم يمنح صوته للمرشح لمجرد أنه مسلم أو مسيحي أو من أصول عربية، وإنما لأنه اقتنع بما طرحه من أفكار ووعود وبرنامج انتخابي. وإذا أخفق في تنفيذ وعوده، فإن الناخب نفسه يمتلك حق محاسبته، وقد يسحب منه ثقته في الانتخابات التالية.

واللافت أن بعض ردود الفعل العربية والمصرية تتعامل مع فوز المرشح وكأنه أصبح ممثلًا للمسلمين أو العرب، وكأن نجاحه يحمل بالضرورة انتصارًا لقضية دينية. وهذا فهم يحتاج إلى مراجعة؛ فالمرشح الأمريكي يمثل ناخبيه ومجتمعه السياسي، وتُقاس مواقفه من خلال سياساته وتصريحاته وأفعاله، لا من خلال اسمه أو أصوله أو ديانته.

ومن حق أي إنسان أن يشعر بالفخر عندما يحقق شخص من أصول بلاده سواء  عربية أو مثريا نجاحًا في بلد آخر، لكن الفخر شيء، وتحويل الانتخابات إلى معركة دينية شيء آخر تمامًا. فلا ينبغي أن نختزل مواطنة المرشح الأمريكية في أصوله، ولا أن ننسب اختياره إلى دينه، ولا أن نعتبر كل نجاح يحققه شخص ينتمي إلى خلفية دينية معينة انتصارًا لهذه الديانة.

إن الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة الأمريكية هو أن الديمقراطية تتيح للناخب فرصة محاسبة من يحكمه، وأن الانتخابات ليست تفويضًا أبديًا، بل عقدًا يتجدد وفقًا للأداء والإنجاز. ومن هنا تأتي أهمية انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، التي تُجرى كل عامين، وتمنح الناخبين فرصة لمراجعة أداء الحزب الحاكم ومحاسبة ممثليه وتصحيح المسار.

كما أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي ليست أمرًا استثنائيًا، بل جزء من طبيعة النظام السياسي الأمريكي، حيث لا يضمن الانتماء إلى الحزب الحاكم استمرار الأغلبية، ولا يمنح الرئيس حزبه حصانة من المحاسبة الشعبية.

الولايات المتحدة، التي تمتد على مساحة قارة تقريبًا، يتكون مجلس نوابها من 435 عضوًا، ومجلس شيوخها من 100 عضو، إننا بحاجة إلى أن نتعلم من التجارب الديمقراطية، لا أن نكتفي بالاحتفال بنتائجها عندما تتوافق مع انتماءاتنا الدينية أو العرقية. فالمعيار الحقيقي ليس ديانة الفائز ولا أصوله، وإنما البرنامج الذي قدمه، ومدى التزامه بوعوده، وقدرته على خدمة المواطنين الذين منحوه أصواتهم.

ما حدث هو انتصار لصوت الناخب ولحقه في الاختيار والمحاسبة، وليس انتصارًا لدين على دين، أو لأصل عرقي على آخر. وهذه هي قيمة الديمقراطية التي ينبغي أن نتعلمها ونحتفي بها.