الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
أقرأ هذه الأيّام كتابًا صغيرًا في حجمه، عميقًا في أسئلته، عنوانه «كتاب الحقيقة» (Das Buch der Wahrheit)، ألّفه الراهب الدومنيكانيّ الألمانيّ هاينريش زويزه في النصف الأوّل من القرن الرابع عشر. وكلّما تقدّمتُ في قراءته، وجدتُ نفسي أمام قصّةٍ تستحقّ أن تُروى، قصّة معلّمٍ وتلميذه، وقصّة العقل والإيمان، وقبل ذلك قصّة إنسانٍ امتلك شجاعة الدفاع عمّا اقتنع بأنّه حقّ.
وُلد زويزه نحو عام ١٢٩٥، ودخل الرهبنة الدومنيكانيّة وهو في الثالثة عشرة من عمره! (ربّما كان ذلك مقبولًا حينها!). درس الفلسفة واللاهوت، ثمّ انتقل إلى كولونيا في ألمانيا، حيث تتلمذ على يد المعلّم إيكهارت، أحد أعظم العقول التي عرفها الفكر المسيحيّ في العصر الوسيط، وأحد أبرز وجوه التصوّف الألمانيّ.
كان إيكهارت يفكّر في الله والإنسان بلغةٍ فلسفيّةٍ جريئة، ويسأل عن حضور الله في أعماق النفس، وعن إمكانيّة أن يتحرّر الإنسان من التعلّق بذاته حتّى ينفتح على الله. وقد أثارت بعض تعاليمه جدلًا لاهوتيًّا كبيرًا، انتهى بإدانة عددٍ من القضايا المنسوبة إليه في ٢٧ مارس ١٣٢٩، بعد وفاته. وهنا تبدأ قصّة زويزه التي تستوقفني. كان في وسعه أن يصمت، وأن يواصل حياته الرهبانيّة وتعليمه اللاهوتيّ بعيدًا عن هذا الجدل. لكنّه اختار أن يدخل إلى قلب المشكلة، وأن يدافع عن فكر معلّمه، وأن يميّز بين ما كان إيكهارت يريد قوله وما فهمه الآخرون من كلامه، أو ما استخدمه بعضهم لتبرير أفكارٍ لم يكن من الضروريّ أن يقبلها.
وهنا تكم أهمّيّة «كتاب الحقيقة»، ففيه يناقش زويزه فيه قضايا فلسفيّةً ولاهوتيّةً دقيقة: ما معنى أن يتجرّد الإنسان من ذاته؟ وإلى أيّ حدٍّ يمكن الحديث عن اتّحاد الإنسان بالله؟ وهل يؤدّي التجرّد إلى التحرّر من كلّ التزامٍ أخلاقيّ؟ وأين ينتهي التصوّف الأصيل وتبدأ أوهام الإنسان عن نفسه وعن الله؟ والأمر الذي يعجبني في هذا الكتاب أنّ زويزه يجعل للعقل مكانةً أساسيّةً في تمييز الخبرة الروحيّة. فليس كلّ مَن تحدّث عن الاتّحاد بالله قد فهم ما يقوله، وليست كلّ خبرةٍ يدّعي صاحبها أنّها روحيّة تحمل بالضرورة حقيقةً إلهيّة. فتوجد حاجةٌ دائمةٌ إلى التفكير والتمييز والنقد. وقد دفع زويزه ثمن موقفه؛ فقد تعرّض لاتّهاماتٍ تتعلّق بتعاليمه، وفقد منصبه في التدريس. ومع ذلك، بقي أمينًا للفكر الذي تلقّاه عن معلّمه، وسعى إلى شرحه والدفاع عنه.
والمفارقة أنّ كثيرًا من الدراسات الحديثة ظلّت تقدّم زويزه بوصفه متصوّفًا رقيق العاطفة، يغلب عليه الوجدان، وكأنّ رقّة القلب تحول دون عمق التفكير! إلى أن جاءت دراساتٌ فلسفيّةٌ معاصرة، ومنها دراسة لوريس ستورليزه التي تصدّرت الطبعة النقديّة لهذا الكتاب، فأعادت الاعتبار إلى زويزه الفيلسوف، وإلى جرأته الفكريّة.
توفّي هاينريش زويزه عام ١٣٦٦، وأعلنت الكنيسة الكاثوليكيّة تطويبه عام ١٨٣١. وأنا أقرأ هذا النصّ، أفكّر في علاقتنا نحن بمعلّمينا. كم من مرّةٍ نختزل الأمانة لهم في تكرار أفكارهم والدفاع عن كلّ كلمةٍ قالوها؟ وكم من مرّةٍ نتخلّى عنهم عندما يصبح الدفاع عنهم مكلفًا؟ أظنّ أنّ زويزه يعلّمنا شيئًا مهمًّا: أن نحبّ معلّمينا من دون أن نتخلّى عن عقولنا، وأن نقرأهم قراءةً نقديّةً منصفة، وأن نفهم أفكارهم في سياقها قبل أن نصدر أحكامنا عليها. فالأمانة الحقيقيّة للفكر تحتاج إلى قدرٍ من الحرّيّة والشجاعة، وربّما إلى الاستعداد لتحمّل ثمنهما. وأتساءل أحيانًا: كم من الأفكار والأشخاص ظلمهم التاريخ لأنّنا اكتفينا بما قيل عنهم، ولم نمنح أنفسنا الوقت الكافي لقراءتهم؟
لعلّ هذا أحد الأسباب التي تجعل العودة إلى نصوصٍ كُتبت قبل سبعة قرون أمرًا يستحقّ العناء. فبعض الأسئلة القديمة لم يزل حاضرًا بيننا، وربّما أصبح أكثر إلحاحًا اليوم.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





