عادل نعمان
أرى حين تكثر المراوغة والمناورة والتهرب من الحكم أن فى الأمر شيئًا يستحق المراجعة، إما الحكم تجاوز زمانه ومكانه، أو تخطّى طاقة الناس وقدراتهم، وإذا احتال الناس وراوغوا فى تنفيذ قرار ما فاعلم أن ترك الأمر دون توفيق وإصلاح يصبح هذا الاحتيال هو القاعدة المقبولة والمحمودة لديهم، يتساوى فى هذا مخالفتها للأعراف والقيم أو اتفاقها، بل تصبح من كثرة تكرارها قيمة مجتمعية مقبولة ومعتبرة لديهم، ولا تخجل الناس منها، بل يتواصون باتباعها، ويتناصحون العمل بها.
ألم يكن إذا حاول أحدهم كتابة ممتلكاته لبناته حال حياته فى عدم وجود ابن ذكر تهربًا من مشاركة العم أو ابن العم الميراث معهن بعد مماته، يعد لدى الكثير من الناس إثمًا كبيرًا، وذنبًا عظيمًا ومخالفة صريحة لتعطيل منهج الله، وكأنه قد حرم أصحاب الحق حقهم إذا همّ أو حاول أو استشار، أو ليس الناس يباركون هذا التحايل الآن ويعتبرونه المخرج والملاذ والمهرب من هذه الشراكة الظالمة، والسبيل للحفاظ على ميراث الأب كاملًا لبناته دون مشاركة العم أو أبنائه؟ (والناس يسيرون نفس المسار فى توزيع الميراث بالتساوى بين الذكور والإناث رويدًا رويدًا) ألم يكن مكروهًا كراهية التحريم وأصبح محمودًا ومباركًا يسير مسار الحق والحلال؟.
أليس الباب الذى فتحه الفقهاء لتعطيل إقامة الحدود حتى وإن كان الجرم قد ارتكب ونفذ، تحت دعاوى الشروط الشرعية لإقامة الحد استجابة لظروف مجتمعية جديدة؟ فكل الحدود الأربعة (السرقة والزنا ورمى المحصنات والحرابة فقط) وهى الحدود وليس غيرها، قد وضع لها الفقهاء حدودًا شرعية تستوجب إقامة الحد، وتسقط الحدود ولا تنفذ إذا حال سبب شرعى واحد دونه، فيسقط حد قطع يد السارق وإن سرق سارق وثبتت السرقة بالدليل، إذا كان فيه شبهة الظلم أو الملكية فى المسروق، فلا حد على من سرق المال العام (لشبهة الظلم فى جمعه وشبهة الملكية فى هذا المال العام)، ويسقط الحد عند سرقة المحرم، فلا حد على من سرق خمورًا أو لحم خنزير حتى لو باعه وقبض ثمنه، ويسقط حد الزنا وإن وقع، إذا شهد بالواقعة أربعة شهود بلوغ مسلمين، إذا شك شاهد منهم واحد من تمكنه من رؤية (المرود فى المكحلة بدقة) وإن تمكن الثلاثة من النظر والتدقيق والوصف.
وإن كان الرسول قد أوصى (ادرؤوا الحدود بالشبهات) فإن أيضًا هذا التوسع فى الشبهات إلى درجة أن (التافه من المسروقات) لا يقام على مرتكبه الحد، وتصبح لوحة الموناليزا عملًا تافهًا وتقدر بالملايين؟ ألا يُعد هذا توفيقًا لوضع جديد يستلزم التعديل حتى وإن كان تعديلًا غير منطقى وغير مقبول، فمن ذا الذى يحدد قيمة المسروقات التافه منها والثمين سوى أصحاب الشأن والمتخصصين؟ فما يراه علماء الآثار غير ما يراه المشايخ من قيمة الأثر المادية والتاريخية، وكذلك الخمور فهى عالية القيمة، ولحم الخنزير له ثمن وله من يأكله، وإن كانت السرقة سرقة سواء كان مالًا حلالًا أو حرامًا أو تافهًا كان أو ثمينًا طالما تم بيعه وقبض ثمنه وهو الفيصل فى أمر المسروق، فإن هذا التوفيق والتعديل قد استوجبه وارتضاه الناس نمطًا اجتماعيًا توافقوا عليه حتى لو كان فاسدًا، وهل فتوى بعض مشايخ الغبرة والذين أباحوا سرقة غير المسلم على اعتبار أن كفره يحول دون الاستمتاع بنعم الله، واعتبروه «فىء» وهو المال الذى يؤخذ من الكفار دون قتال- تُعد تعديلًا وتوفيقًا لمصلحة، وإن كانت مكروهة ومرفوضة، فلما عدلوا الحكم للأسوأ لمصلحة فمن باب أولى تعديله لمنفعة.
ونحن نتساءل هل هذه الأمور جميعها هى إعادة تقييم للأحكام وتعديلها، هل كانت لمفسدة أم لمصلحة قد فرضت مجتمعيًا وقبلها الناس فى حينه؟ نعم وأؤكد على هذا.
ولهذا فإن الرأى الذى يشير إلى أن هذه الأحكام كانت تخص زمنًا معينًا ومحددًا بذاته، وهى تصوير لواقع حى مقبول فى زمانه، وهو أيضًا الحد الأدنى لما يقبله الظالم والحد الأقصى الذى يقبله المظلوم- هو الأمر الأصح اتباعه، ويظل أمر التجديد وتعديل الأحكام والحدود وفقًا لمقتضيات العصر كما أشرنا قائمًا ومقبولًا تاريخيًا ما قامت الدنيا وظل لها ظل وصورة، وما هذه الشروط الشرعية لتنفيذ الحدود إلا دليلًا على عمر الأحكام والحدود، وانتهى بوقف العمل بأغلبها، وهذا هو (التطور الزمنى لعمر الأحكام).
(الدولة المدنية هى الحل).
نقلا عن المصرى اليوم





