شارل فؤاد المصري
حالة التهليل التي صاحبت فوز عبد الرحمن السيد عندما فاز بمقعد في الكونجرس يظهر مدي تحكم العواطف في غالبية الرأي العام المصري كل علي هواه.
ومقال الأمس المنشور علي هذه الصفحة شهد مشاحنات ومشادات واختلاف في الرأي لم يفسد للود قضية في بعضها وتفسد الود في بعض آخر.
في هذا المقال سنجيب علي عدة اسئلة ربما توضح بعضا من الحقائق العلمية والسياسية بدلا من الهرولة نحو سراب لا طائل منه والدخول في مشاحنات لا طائل منها .
والأسئلة هي :
هل "فوز" عبد الرحمن السيد بلا قيمة فعلية؟
كيف تصنع النتائج في النظام الانتخابي الامريكي؟
وهل سيفقد ترامب قوته بعد خسارة الكونجرس.؟
سنجيب علي هذه الأسئلة بشكل متداخل حسب تداعي افكار المقال. بداية من الضروري عدم الانجراف وراء القراءات المبتسرة أو التهويل الإعلامي بل قراءتها من خلال أدوات وفلسفة النظام السياسي الأميركي القائم على التوازنات المعقدة بين السلطات المختلفة.
ونأتي الي السؤال الأول هل "فوز" عبدول السيد بلا قيمة فعلية؟
الإجابة هي : تسمية فوز أي عضو في مجلس الشيوخ بأنه "بلا قيمة" قد تكون مبالغة سياسية لكن من الناحية العملية والتشريعية قوة أي سناتور مفرد مشروطة تماما بالخريطة العامة للكونجرس و
الأغلبية هي الحاكم إذا كان الحزب الذي ينتمي إليه العضو (الديمقراطي) لا يمتلك الأغلبية في مجلس الشيوخ فإن قدرة النائب أو السناتور على تقديم مشاريع قوانين وتمريرها تصبح مغلولة. مقيدة تقريبا..فالأغلبية هي التي تحدد جدول الأعمال وتترأس اللجان وتتحكم في حركة التشريعات
وفقدان السيطرة للجمهوريين.
في المقابل إذا خسر الحزب الجمهوري السيطرة على إحدى الغرفتين أو كلتيهما يجد الرئيس نفسه أمام جدار تشريعي صلب حيث تتعطل أجندته التشريعية الكبرى وتتزايد الرقابة عليه مما يدفعه إلى الاعتماد على الأوامر التنفيذية أو التلويح بـ "الفيتو الرئاسي" لمنع تشريعات الخصوم.
أي سناتور جديد يتوجب عليه العمل ضمن تكتلات حزبية ومساومات مستمرة ولا يستطيع بمفرده فرض أجندة خارجية أو تغيير سياسات واشنطن الراسخة تجاه الحلفاء أو المساعدات الخارجية.
وإلي السؤال المهم :كيف يتم صناعة النتائج في النظام الانتخابي الامريكي؟
لتفادي الفهم الخاطئ لكيفية فوز المرشحين في الولايات المتحدة يمكن تبسيط النظام الانتخابي في نقاط أساسية:
الانتخابات التمهيدية (Primary Elections): يتنافس فيها أبناء الحزب الواحد (ديمقراطي ضد ديمقراطي) للفوز بترشيح الحزب. وهنا تلعب القواعد الشعبية النشطة والكتل التصويتية المنظمة دورا حاسما في ترجيح كفة مرشح على آخر.
ثم الانتخابات العامة (General Elections): يتنافس مرشح الحزب الديمقراطي ضد مرشح الحزب الجمهوري.. والفائز بالمقعد هو من يحصل على أغلبية أصوات الناخبين في تلك الولاية (بالنسبة لمجلس الشيوخ).
اما توازن القوى (Checks and Balances): فيتكون الكونجرس من مجلسين: النواب (يمثل السكان) والشيوخ (يمثل الولايات بالتساوي). لإقرار أي قانون يجب أن يوافق عليه المجلسان بنفس النص ثم يوقعه الرئيس.
إذا اعترض الرئيس يمارس "الفيتو" ولا يمكن للكونجرس كسر الفيتو إلا بأغلبية الثلثين في كلا المجلسين وهو أمر نادر الحدوث.
نأتي أيضا الي سؤال خلافي وهو مادور أصوات الناخبين اليهود في ولاية ميشيجان
تشير القراءات السياسية إلى أن الكتلة التصويتية اليهودية في ميشيجان لم تكن كتلة صماء بل شهدت انقساما واستقطابا واضحين من خلال الناخبون التقدميون الذين يمثلون قطاعا واسعا من الناخبين اليهود التقدميين والشباب الذين أيدوا عبدول السيد بناء على برنامجه الاجتماعي والاقتصادي المحلي - لا حظ عزيزي القارئ برنامجه المحلي وليس اي تصريحات خارجية - مستجيبين لخطابه النافي لمعاداة السامية والتزامه العلني بأمن المؤسسات
اليهودية.. معلش ممكن تقول تاني أمن المؤسسات اليهودية (مثل تصريحه- «التزامي بأمن وسلامة اليهود هو ذات التزامي بأمن أي فئة أخرى مهمشة. الشعب اليهودي هو نور للعالم وحماية المؤسسات والمجتمعات اليهودية أمر غير قابل للتفاوض)..
بتقول ايه سيادتك :الشعب اليهودي هو نور العالم يعني قصدك شعب الله المختار ..تمام وصلت "
في المقابل واجه عبدول السيد معارضة شديدة من منظمات اللوبي التقليدية (مثل AIPAC) وبعض القيادات الديمقراطية اليهودية المحافظة بسبب مواقفه الداعية لقطع أو تقييد المساعدات العسكرية الخارجية والتي تشمل إسرائيل ودولا أخرى بالمنطقة ومنها مصر (وفق تصريحه: "I dont think we should be funding foreign militaries generally... Thats Israel. Its also Egypt. Its also Saudi Arabia...").
إذن حسم الانتخابات في ولايات مثل ميشيجان لا يعود إلى عنصر واحد بل هو نتاج تحالفات بين قواعد الحزب الديمقراطي (بما في ذلك الكتلة التقدمية اليهودية والجاليات العربية والإسلامية والنقابات العمالية).
ومع ذلك يظل التأثير الفعلي لأي سناتور مرهونا بمدى قدرته على المناورة داخل مؤسسة الكونجرس المعقدة وتحت مظلة الأغلبية والأقلية.
بالنسبة للذين فرحوا لعبد الرحمن نكاية في ترامب البرتقالي يثور سؤال هو هل سيفقد ترامب قوته حقا بعد خسارة الكونجرس؟
الإجابة: خسارة الحزب الجمهوري لغرفتي الكونجرس (النواب والشيوخ) تمثل ضربة قوية للأجندة التشريعية لدونالد ترامب لكنها لا تعني تجريده المطلق من السلطة أو فقدانه لكل أدوات تأثيره لان لديه سلطة "الفيتو" المطلقة حيث يمتلك ترامب سلاح النقض الرئاسي
(الفيتو - حيث وصف نفسه بـ "Mr. Veto").. وهو السلاح الأقوى الذي يمنع الديمقراطيين من تمرير قوانين تعاكس سياساته ما دام الخصوم لا يملكون أغلبية الثلثين في المجلسين لكسر هذا الفيتو.
وايضا الالتفاف عبر الأوامر التنفيذية حيث يستطيع ترامب مواصلة إدارة العديد من الملفات الجوهرية (كالسياسات التجارية،د والجمارك وأمن الحدود والسياسة الخارجية) عبر الصلاحيات التنفيذية الواسعة للرئاسة وقرارات البيت الأبيض بغض النظر عن معارضة الكونجرس.
إذن ستتغير الاستراتيجية ..نعم وابشرك ان نفوذ الرئيس ترامب التشريعي في إقرار مشاريع القوانين الكبرى سيتراجع ولن تمر بسهولة.. متفرحش اوي لانه يحتفظ بالقدرة على التعطيل وفرض الشروط لينتقل من مرحلة "السيطرة والهيمنة التشريعية الكاملة" إلى مرحلة "الدفاع والعرقلة المتبادلة" والمساومات السياسية الحادة لتجنب الإغلاق الحكومي.
من ناحية أخري أحد التعليقات التي جاءت تعقيبا علي مقال الأمس كانت هجوما علي الهوية الدينية لدرجة أن أحدهم قال في معرض دفاعه عن عبدول السيد الآتي : كيف لك ما يزيد علي نصف قرن من هجرات المسيحيين المصريين الي أميركا ولم نري لك نجاحا سياسيا بوصول مصري مسيحي الي عضوية الكونجرس "..
هنا لن اناقش ما كتب ولكن أود أن اصحح معلومة عن الحضور المصري في الكونجرس الأميركي اقصد أعضاء من أصول مصرية حيث شهدت أروقة الكونجرس الأميركي حضورا تاريخيا لبعض الشخصيات البارزة ومن أبرز الأسماء: جورج حلمي الذي شغل مقعدا في مجلس الشيوخ الأميركي ممثلاعن ولاية نيوجيرسي.
و يعد أول أمريكي من أصل مصري وقبطي يصل إلى عضوية مجلس الشيوخ الأميركي في تاريخ الولايات المتحدة (حيث تم تعيينه عام 2024)، وهو من أصول مهاجرة مصرية بالكامل وينتمي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
بهذا المقال الشارح اكون قد أغلقت الكتابة في هذا الملف ..وما علينا الا انتظار النتائج.
الكاتب صحفي وباحث في العلوم السياسية .





