رفيق رسمي
بين مهللين يعتبرون فوز عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم «عبدول»، بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي انتصاراً للإسلام وفتحاً جديداً في الغرب، وبين مهللين آخرين يرون فيه انتصاراً للديمقراطية الأمريكية العظيمة، وقدرتها على فتح أبوابها أمام مختلف الأعراق والأديان، ويحلمون بأن نرى مثل ذلك في بلادنا، لنا قراءة أخرى.
بداية، لا نقلل من قيمة أن يصل مواطن أمريكي من أصول مصرية وإسلامية إلى مجلس الشيوخ، وأن يصبح أول مسلم في تاريخ الولايات المتحدة يفوز بعضويته. فهذا حدث تاريخي حقيقي، له دلالته السياسيةوالاجتماعية.
لكن دعونا ننظر إلى ما وراء الصورة.
سواء وصل الرجل بصناديق الانتخابات، كما تشير النتائج، أو كان هناك من أراد صعوده واستثمر في وصوله، فإننا تعلمنا من التاريخ أن السياسة ليست دائماً مجرد منافسة بين أشخاص، ولا مجرد أصوات داخل صناديق.
السياسة، في كثير من الأحيان، تشبه الإنتاج السينمائي!
هناك منتج يملك المال، ومخرج يدير المشهد، وكاتب يضع السيناريو، ثم يأتي الممثلون ليؤدوا أدوارهم أمام الكاميرات. وقد يكون الممثل موهوباً وناجحاً، لكن نجاحه لا يعني أنه كتب القصة أو يملك وحده قرار نهايتها.
وهذا لا يعني أن كل انتخابات مسرحية، أو أن كل سياسي مجرد دمية، بل يعني أن هناك قوى ومصالح ومؤسسات تؤثر في صناعة القرار، حتى داخل أعرق الديمقراطيات.
والتاريخ الأمريكي نفسه يقدم لنا شواهد كثيره جدا تستحق التأمل.
حيث تسيطرت الآلات الحزبية وزعماء النفوذ المحلي على أجزاء واسعة من الحياة السياسية، كما ان المال والولاء الحزبي وتوزيع المناصب عوامل مؤثرة جدا في صناعة المرشحين والنتائج.
كما ان فضيحة ووترغيت كشفت أن السلطة التنفيذية نفسها يمكن أن تتجاوز القانون وتحاول التأثير في المؤسسات والانتخابات، حتى انتهى الأمر باستقالة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1974.
كما كشفت قضية جماعات الضغط والإنفاق الانتخابي، عبر عقود طويلة، أن صوت المواطن ليس العامل الوحيد في المعركة السياسية؛ فهناك مؤسسات اقتصادية وإعلامية وجماعات مصالح تحاول التأثير في اتجاه القرار.
إذن، هل معنى ذلك أن فوز عبدول انتصار للإسلام؟
لا. هو أولاً انتصار انتخابي لمرشح أمريكي مسلم، وليس فتحاً إسلامياً لواشنطن، ولا دخولاً لجيوش الفتح إلى مجلس الشيوخ! فهناك قانون قوي يحد قراراته .
وهل هو دليل على أن الديمقراطية الأمريكية بلا عيوب؟
أيضاً لا. إنها تجربة سياسية لها إنجازاتها، ولها تناقضاتها وأزماتها، لكنها تمتلك مؤسسات قويه للغايه وآليات متعدده للمسائله و للمحاسبة وتداول السلطة لا يمكن تجاهلها. او التعدي عليها ابدا .
فلايمكن ان نحكم علي التجربه من منظورنا في العالم الثالث النامي . فالامر مختلف تماما عما نعيش فيه نحن في دولنا .
والأهم من ذلك كله أن نسأل: من المستفيد من هذا المشهد؟ وما المصالح التي ستلتقي عنده أو تختلف معه؟ وما الذي يستطيع الرجل أن يفعله فعلاً بعد دخوله المجلس؟
ففي رقعة الشطرنج، لا يكفي أن ننبهر بقطعة تحركت من مكانها إلى مكان جديد، ولا أن نصف حركتها بأنها انتصار تاريخي. علينا أن ننظر إلى الرقعة كلها، وأن نفهم من يحرك القطع، وما الهدف من كل حركة.
لا تصفقوا لمجرد وصول قطعة إلى مربع جديد، ولا تهاجموها لمجرد هويتها. افهموا اللعبة أولاً؛ فالتاريخ لا تصنعه الوجوه التي تظهر أمام الكاميرات وحدها، بل أيضاً المصالح والقوى التي تتحرك خلف المشهد.
أما الأمثلة التاريخية عن الآلات الحزبية ونفوذ المال، فهي شواهد على تعقيد السياسة الأمريكية،
: لا تنخدعوا بالمشهد، بل اقرأوا رقعة الشطرنج كلها،
وانتظروا السيناريو المرسوم له . وماذا سيفعل ؟
رفيق رسمي





