دكتور مهندس/ ماهر عزيز 
7 أكتوبر 2026

من كنائس المهجريين إلى الغياب عن صناعة القرار السياسي،  سؤال يتردد كثيرًا بين المسيحيين المصريين في المهجر، ربما يحمل في طياته قدرًا من الدهشة، بل وربما شعورا أسيفا بالمفارقة.

أين المسيحيون المصريون الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة عبر أجيال متعاقبة، وحصلوا على الجنسية الأمريكية، وحققوا نجاحات أكاديمية واقتصادية واجتماعية ملحوظة .. أين هم من قوائم المرشحين لعضوية مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين؟

كيف استطاع مجتمع الأقباط المسيحيين في أمريكا بناء عشرات الكنائس والمؤسسات الاجتماعية، وتخريج أجيال من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات ورجال الأعمال، بينما ظل حضوره في أحد أهم مواقع صناعة القرار الأمريكي محدودًا للغاية ؟

وهل نجح المسيحيون المصريون في بناء مجتمع داخل أمريكا، لكنهم أخفقوا في أن يصبحوا جزءًا من السلطة السياسية فيها ؟
إنها ليست مجرد مسألة عدد مقاعد، بل قضية تتعلق بفهم معنى المواطنة، وحدود الاندماج، والقدرة على تحويل النجاح الاجتماعي إلى نفوذ سياسي.

جورج حلمي  : اختراق تاريخي أم استثناء عابر ؟
في سبتمبر 2024، وصل جورج حلمي، الأمريكي من أصل مصري قبطي أرثوذكسي، إلى مجلس الشيوخ الأمريكي بالتعيين، لاستكمال المقعد الذي شغر عقب استقالة السيناتور بوب مينينديز.

كانت واقعة تاريخية تستحق الاحتفاء، لكنها تطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا :
لماذا جاء الوصول للكونجرس الأمريكي بالتعيين ؟  ولماذا لم نشهد حتى الآن مسارًا انتخابيًا مصريا مسيحيا قبطيا مستدامًا إلى الكونجرس؟
تثبت تجربة جورج حلمي أن الوصول ممكن، لكنها تكشف في الوقت ذاته أن امتلاك الكفاءات وحده لا يكفي.

فالسياسة الأمريكية ليست مسابقة في التفوق العلمي أو النجاح المهني، بل معركة تنظيم وتحالفات وتمويل انتخابي وقدرة على مخاطبة الناخبين.
المشكلة ليست في الكفاءات .. بل في تحويلها إلى قوة سياسية فاعلة ومتمكنة ..

لعل أحد أوجه القصور في تجربة المصريين  المسيحيين بالمهجر هو التركيز المفرط على النجاح الفردي والاجتماعي، مقابل ضعف الاستثمار في العمل السياسي المنظم.

لقد نجح المسيحيون المصريون في بناء الكنائس، والحفاظ على الهوية القبطية، وتوفير التعليم والفرص الاقتصادية للأبناء،  لكن هل نجحوا بالقدر ذاته في إعداد كوادر سياسية قادرة على خوض الانتخابات الأمريكية ؟

هل لدي أقباط مصر مؤسسات تتبنى المرشحين، وتدربهم، وتساند حملاتهم، وتبني لهم التحالفات اللازمة، وتوفر لهم التمويل المطلوب ؟
وهل أصبحت المشاركة في الانتخابات الأمريكية هدفًا أصيلًا في ثقافة الأجيال القبطية الجديدة، أم ما زالت نشاطًا ثانويًا ؟

إن التفوق الاقتصادي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي .. والطبيب الناجح والمهندس المتميز ورجل الأعمال الثري قد يحققون إنجازات عظيمة في مجالاتهم، لكن الوصول إلى الكونجرس يتطلب مسارًا سياسيًا مختلفًا تمامًا معدا بامتياز ..

هل انشغل الأقباط بالدفاع عن مصر أكثر من المشاركة في بناء أمريكا ؟
هل انشغل الأقباط بالدفاع عن أهليهم الذين في مصر ضد أنواع التحديات والمخاطر التي يواجهونها كأقلية محرومة من المواطنة الحقة ؟

لقد بذلت مؤسسات قبطية عديدة في الولايات المتحدة -  كمنظمة التضامن القبطي الباسلة Coptic Solidarity - جهودًا مهمة للدفاع عن حقوق الأقباط في مصر، ومواجهة التمييز الديني، والتواصل مع المؤسسات الأمريكية ..  وهو نشاط له قيمته وأهميته،  لكن ثمة فارقًا كبيرًا بين الضغط على صانع القرار الأمريكي، وبين أن يكونوا هم أنفسهم جزءًا من المؤسسة التي تصنع القرار.

إن الدفاع عن حقوق الأقباط في مصر لا ينبغي أن يكون بديلًا عن المشاركة في الحياة السياسية الأمريكية ..

إن الوصول إلى الكونجرس قد يمنح أبناء الجالية القبطية قدرة أكبر على التأثير في القضايا التي تهمهم، فضلًا عن المشاركة في القضايا الأمريكية العامة.
فهم ليسوا مطالبين بأن يتخلوا عن هويتهم  المصرية أو القبطية، بل يجب أن  يتجاوزوا حدودها الوطنية والاجتماعية إلى فضاء المواطنة السياسية الأمريكية.

الأجيال الجديدة  :  الفرصة التي لا ينبغي إهدارها
الحق إن أبناء المهاجرين الذين نشأوا في الولايات المتحدة، وتعلموا في مدارسها وجامعاتها، وأصبحوا جزءًا من مجتمعها، يمثلون الفرصة الحقيقية لتغيير المشهد برمته ..  لكن هذه الفرصة لن تتحقق بمجرد انتظار ظهور مرشح قبطي ناجح  ..  إنها تحتاج إلى استراتيجية واضحة تبدأ من المجالس المحلية، مرورًا بالمجالس التشريعية للولايات، ووصولًا إلى مجلس النواب الأمريكي، وربما إلي مجلس الشيوخ.

كذلك تحتاج هذه الفرصة إلى تشجيع الشباب القبطي على الانخراط في الأحزاب السياسية الأمريكية، والعمل في الحملات الانتخابية، وتكوين شبكات من العلاقات السياسية والمجتمعية.

والأهم علي هذا الدرب أن يتعلم أبناء الجالية أن السياسة ليست شأنًا بعيدًا عن مجتمعهم أو وجودهم، بل بالأولي هي أحد مجالات المواطنة التي يمكن أن تخدم الإنسان وحقوقه وكرامته.

من الحضور الاجتماعي إلى الحضور السياسي :
إن المجتمع القبطي الأمريكي ليس مجتمعًا صغيرًا من حيث الكفاءات أو الإمكانات،  لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجه به ذاته هو : 
هل يمتلك الإرادة السياسية والتنظيمية لتحويل هذه الإمكانات إلى تمثيل انتخابي حقيقي ؟

إننا لا نحتاج إلى مرشح قبطي واحد يظهر بالمصادفة، ونحتفي به باعتباره إنجازًا استثنائيًا ..  بل نحتاج إلى مسار مؤسسي يفرز كوادر سياسية متعددة، ويجعل الوصول إلى المجالس التشريعية الأمريكية أمرًا طبيعيًا ومتكررًا .. فالتأثير السياسي لا يُبنى بالاحتفال بالاستثناءات، وإنما يشيد ويرتفع بصناعة القواعد القادرة.

السؤال الذي يجب ألا نتوقف عن طرحه :
لقد نجح المصريون الأقباط في الولايات المتحدة الأمريكية في بناء مجتمع له حضوره الديني والاجتماعي والاقتصادي، لكن هل حان الوقت لكي يعيدوا النظر في الأولويات، وينتقلوا من مجرد الحفاظ على الهوية إلى ممارسة المواطنة السياسية بكل أبعادها ؟
إن عضوية الكونجرس بغرفتيه ليست مجرد لقب أو مكانة اجتماعية، بل هي مسئولية تشريعية تجاه الوطن الجديد، وقدرة على التأثير في مستقبل المجتمع الأمريكي.

إن السؤال الحقيقي الذي يتعين علي أقباط المهجر في أمريكا أن يواجهوا به أنفسهم ليس هو : "لماذا لا يوجد قبطي في الكونجرس الأمريكي؟"،  بل السؤال الأكثر جرأة هو :  "ماذا فعلوا ؟  وماذا ينبغي أن يفعلوا، حتى لا يظل وصول قبطي إلى الكونجرس حدثًا استثنائيًا، بل يصبح نتيجة طبيعية لنجاح أجيالهم في المجتمع الأمريكي ؟

إن المجتمع الذي يستطيع بناء الكنائس والمؤسسات، وتخريج الكفاءات، وتحقيق النجاح الاقتصادي، يجب أن يستطيع أيضًا إعداد أبنائه للمشاركة في صناعة القرار ..  فالمواطنة لا تكتمل بالاستقرار والنجاح وحدهما، وإنما تكتمل حين يكون الأقباط في أمريكا شركاء في صناعة مستقبل وطنهم الجديد الذي يحملون جنسيته ويعيشوا على أرضه ..

وهذا هو التحدي الموضوع الآن ليس فقط أمام الأجيال القبطية الأمريكية الحاضرة بل والاجيال الآتية كلها أيضا.