د.ماجد عزت إسرائيل
سؤال عميق وموجع طرحه أستاذ دكتور متخصص في أمراض القلب، لكنه هذه المرة لم يكن يبحث عن علاج لقلب مريض، بل عن إجابة لوجع قلوب أنهكها الظلم: هل توجد عدالة ناجزة حقًا؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش في مدينة أفلاطون المثالية، حيث ينتصر الحق وتسود الفضيلة؟ وماذا يبقى للمظلوم حين يُسلب حقه، ويُترك وحيدًا في مواجهة سلطة الظالم وصمت المجتمع؟
إنها ليست أسئلة فلسفية ترفيهية، بل صرخة إنسانية تتردد كل يوم في المحاكم، وأماكن العمل، والمؤسسات، وخلف أبواب السجون، وفي بيوت أُطفئت فيها أنوار الفرح بسبب ظلم لم يرتكبه أصحابها. فالظلم لا يبدأ دائمًا بحكم جائر، بل قد يبدأ بكلمة كاذبة، أو شهادة زور، أو قرار ظالم، أو مسؤول فقد ضميره، أو صمت من كان قادرًا على قول الحق.
وفي الكتاب المقدس، ليست العدالة مجرد فضيلة أخلاقية، بل وصية إلهية ومسؤولية إنسانية. يقول الكتاب: «الْعَدْلَ الْعَدْلَ تَتَّبِعُ» (التثنية 16: 20). ويعلن النبي عاموس: «وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ، وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ» (عاموس 5: 24). ولكن السؤال الأصعب يظل قائمًا: إذا كان الله عادلًا، فلماذا يتألم الأبرياء؟ ولماذا ينجو بعض الظالمين، بينما يدفع المظلوم ثمن براءته من عمره وصحته وكرامته؟
هذا السؤال ليس جديدًا؛ فقد صرخ به أيوب في أوج آلامه، وتأمل فيه داود حين رأى نجاح الأشرار، حتى قال: «غِرْتُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ، إِذْ رَأَيْتُ سَلاَمَةَ الأَشْرَارِ» (مزمور 73: 3). والحقيقة التي ينبغي ألا نهرب منها هي أن العدالة الإلهية لا تعني أن العدالة الأرضية تتحقق دائمًا بالسرعة التي نتمناها. فالكتاب المقدس لا يعد الإنسان بعالم يخلو من الظلم، ولا يدعوه إلى الاستسلام له، بل يطالبه بمقاومته، وإنصاف الضعفاء، ورفض شهادة الزور، وعدم محاباة أصحاب النفوذ.
أما مدينة أفلاطون المثالية، فقد بقيت حلمًا فلسفيًا عظيمًا؛ لأن بناء المدينة العادلة لا يتحقق بالقوانين وحدها، وإنما بالإنسان الذي يحترمها. فما قيمة دستور يتحدث عن المساواة إذا كانت الأبواب تُفتح لأصحاب السلطة وتُغلق في وجوه الضعفاء؟ وما قيمة ميزان العدالة إذا استطاع النفوذ أن يثقل إحدى كفتيه؟
وهنا يحضر المثل الشعبي المصري الذي تختصر كلماته مآسي لا تحصيها الأرقام: «يا ما في الحبس مظاليم».فوراء هذه الكلمات حكايات بشر، وأمهات ينتظرن، وأطفال يكبرون في غياب آبائهم، وأبرياء قد تضيع سنوات من أعمارهم قبل أن تظهر الحقيقة. وربما تأتي البراءة متأخرة، بعد أن يكون الظلم قد سرق العمر، وحطم السمعة، وأرهق الروح. وهل يكفي أن يُقال للمظلوم بعد سنوات: لقد ثبتت براءتك؟ من يعيد إليه أيامه؟ ومن يرد له كرامته؟ ومن يحاسب الذين تسببوا في مأساته؟
إن العدالة الناجزة ليست سرعة إصدار الأحكام، بل سرعة الوصول إلى الحقيقة دون التضحية بحقوق الإنسان. وليست العدالة أن يُعاقَب متهم لإرضاء الرأي العام، وإنما أن يُدان المذنب بدليل، ويُحمى البريء من الاتهام الجائر، ويُحاسَب كل من تعمد تزوير الحقيقة أو إساءة استعمال سلطته.
وفي قلب المسيحية تقف صورة المسيح البريء أمام محاكمة ظالمة، حيث انتصرت المصالح والخوف على صوت الحق، حتى سأل بيلاطس: «وَمَا هُوَ الْحَقُّ؟» (يوحنا 18: 38). سؤال يتردد عبر العصور كلما صمت الضمير أمام الظلم. ولكن الإيمان بالعدل الإلهي لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لتأجيل إنصاف المظلومين إلى السماء. فانتظار عدالة الله لا يعفي الإنسان من مسؤوليته عن إقامة العدل على الأرض. والرحمة لا تعني التنازل عن الحقوق، والغفران لا يعني تبرئة الظالم من مسؤوليته، والسلام الحقيقي لا يقوم فوق أنقاض كرامة المقهورين.إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس وجود الظلم وحده، بل الاعتياد عليه؛ أن يصبح القهر خبرًا عابرًا، وأن تتحول صرخة المظلوم إلى ضجيج لا يسمعه أحد، وأن يُطلب من صاحب الحق الصبر، بينما يُترك سالب الحق بلا مساءلة.
فالمدينة الفاضلة ليست مدينة بلا أخطاء، بل مدينة لا يُترك فيها المظلوم وحيدًا، ولا يُمنح فيها الظالم حصانة، ولا يكون الاعتراف بالخطأ فيها أصعب من ارتكابه. وفي النهاية، قد تتأخر العدالة، وقد تغيب عن بعض قاعات المحاكم، وقد يعجز الإنسان عن استرداد كل ما سُلب منه، لكن ذلك لا يجعل الظلم حقًا، ولا يحوّل الباطل إلى حقيقة. فالحق الذي يُسلب بالقوة لا يفقد شرعيته، والبراءة التي تُدفن تحت الاتهامات لا تتحول إلى إدانة، والظالم الذي يفلت من العقاب لا يصبح بريئًا.
ولعل السؤال الذي يجب أن يواجه به كل إنسان نفسه ليس فقط: أين عدالة الله؟ بل أيضًا: أين عدالتي أنا حين أرى مظلومًا؟ هل أنطق بالحق، أم أصمت خوفًا على مصالحي؟
إن العدالة التي تأتي بعد ضياع العمر قد تنصف الحقيقة، لكنها لا تستطيع إعادة الزمن. ولذلك فإن أعظم انتصار للعدل ليس أن نعتذر للبريء بعد تحطيم حياته، بل أن نمنع ظلمه من البداية. فالمجتمع الذي لا يحمي الأبرياء من الظلم، لن يحميه الصمت إلى الأبد.





