د. وسيم السيسي
حكم القاضى بالإعدام على سقراط بشرب السم، بعد أن خيره ما بين النفى والتنازل عن مبادئه وتعاليمه أو الموت، فاختار سقراط الموت ولا يتنازل عن تعاليمه، والتى اعتبرها القاضى إفسادًا للأثنيين، ويوم تنفيذ الحكم أحاط به تلاميذه يبكون، وكان منهم أفلاطون الذى زار مصر وتتلمذ على أيدى فلاسفتها ١٣ سنة.
قال له مريدوه: «لقد دبرنا لك طريقاً للهرب يا سقراط، لأن قانوناً يحكم بإعدام رجل مثلك، إنما هو قانون ظالم»، قال سقراط: «القانون الظالم يُعدل بقانون عادل، لأن كسر القانون، حتى وإن كان ظالماً يؤدى للفوضى!». شرب سقراط السم، ونادى على أحد تلاميذه قائلاً: «لا تنس أن ترد ثمن دين استلفته من جارى فلا أحب أن أموت وعلىّ لأحد شىء». مات سقراط ولم يترك لنا كتاباً واحداً، ولكنه ترك لنا أفلاطون، وتلميذه أرسطو، ومن هؤلاء كان الفارابى وابن سينا وابن رشد.
تذكرت هذا كله حين قال لى أحد معارفى: «أتحمل ضيق ذات اليد، ولا ترجع هذه الأيام السودة تانى».. ما بعد ثورة ٢٥ يناير، قال جيفارا: «الثورات يقوم بها الأطهار، ويركب عليها....!».
تذكرت كيف كانوا يقتحمون البيوت، وكيف اتصل بى د. ألبير طبيب التخدير قائلاً: هاجموا العمارة اللى جنبنا، وفى طريقهم إليكم، كيف وصلت الأخبار لسكان عمارتنا، جميعهم نزلوا إلى مدخل العمارة وراء الباب الحديد، منهم الحاج فتحى عبدالباقى رئيس مصلحة الضرائب وأولاده، أ. أحمد إسماعيل «وزارة الخارجية». حتى النساء، إحداهن باسبراى يعمى من يشمه. حتى أنا نزلت بخنجر ٤٠ سم فى جراب أبنوس أسود كنت اشتريته من نيروبى فى أحد المؤتمرات، وخرج بعض الشباب سدوا الشارع من الناحيتين، ومر اليوم بسلام بعد أن عشنا فى الرعب ساعات، وثانى يوم نزلت اشتريت بابا حديديا بسبعة آلاف جنيه بدلاً من الباب الخشب الذى يسهل كسره.
شاهدت شباباً يحملون جراكن بنزين ويقولون لبعضهم على التحرير، اتصلت فوراً باللواء سمير فرج وقلت له عما شاهدته، قال «سوف أتصرف فوراً». كنت أسمع عما يحدث فى رابعة واقتحام البيوت فيرتعد جسمى، تحولت حلوان إلى خرابة.. ضاعت مصر.. كانوا يستوقفون السيارات ويسلبون أصحابها، ثم يساومون عليها بآلاف الجنيهات، تحققت مما قاله سقراط: كسر القانون حتى وإن كان ظالماً يؤدى إلى الفوضى، توقف الإنتاج، أغلقت الأسواق والمخازن بعد نهبها، ومن شعارات ثورات عصر الاضمحلال: «الأرض لمن يزرعها، لا سلطان للسماء على الأرض»! يقول إيبور: الذين كانوا أعلى أصبحوا أسفل، والذى كان يرتق حذاءه أصبح على كرسى القضاء، خرج المجرمون من السجون، صاح الرعاع: لتسقط العدالة ولا مكان لماعت. اختفى البِشر الذى كان على الوجوه، وحل محله ذئاب جائعة وضباع عطشى للدماء. اختفى حاكم عادل، ليحل محله سبعون حاكماً يملأ الشر قلوبهم. يقول نفرايهو: انتبه يا قلبى واذرف الدمع على هذه البلاد، لا أحد يهتم بها كأنهم ليسوا من أهلها، أصبح الابن عدواً، والأخ خصماً، حلت اللعنة، وجف النيل حتى يستطيع المرء أن يعبره ماشياً، إن عصابة قليلة من الرعاع سلبت البلاد أمنها وحريتها، من كان صاحب ثروة أصبح يمشى حافياً، ومن كان سيد قومه أصبح ينفذ أوامر غيره من أسياده الجدد (١٤ بردية فى متحف لايدن بهولندا) ليس كالتاريخ عبرة، وها هى عبرة من التاريخ القديم والحديث.
نقلا عن المصري اليوم





