اسألوا على بعض.. حبوا بعض».. القمص أرميا عبده يحذر من انهيار الروابط الأسرية وتراجع القيم

محرر الأقباط متحدون
أطلق القمص أرميا عبده، مسؤول لجنة الأزمات والحوادث بإيبارشية بني سويف، صرخة تحذير بشأن تراجع القيم والمبادئ في المجتمع، محذرًا من تأثير ما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي من نماذج وسلوكيات سلبية على وجدان الأطفال والشباب، في ظل غياب القدوة وانتشار الفوضى الأخلاقية.

وقال القمص أرميا عبده، في مقال بعنوان «صرخة ألم»، إنه لا يدعو إلى فقدان الرجاء أو تجاهل الإيجابيات، وإنما يرصد مظاهر الخلل المجتمعي ويصلي من أجل إيجاد العلاج، مشيرًا إلى أن العالم يمر بمرحلة حرجة من التراجع في القيم والمبادئ.

وحدد ثلاثة مظاهر رئيسية لهذا التراجع، أولها غياب المحبة والمودة، وما يمثله من تهديد لصلة الرحم والعلاقات الإنسانية، لافتًا إلى وقائع اجتماعية مؤلمة، من بينها اكتشاف وفاة شقيقة طبيبة بعد مرور ثلاث سنوات على وفاتها، دون أن يسأل عنها أحد خلال تلك الفترة، متسائلًا: أين الأقارب والجيران والأصدقاء؟

وأضاف أن انقطاع العلاقات بين الأقارب بسبب الفتور العاطفي والأطماع المادية والأنانية يعكس أزمة تستدعي مراجعة النفس، داعيًا الجميع إلى السؤال عن بعضهم البعض، والمحبة والتعاطف، قائلًا: «اسألوا على بعض، حبوا بعض، اعطفوا على بعض».

أما المظهر الثاني، بحسب القمص أرميا، فهو غياب الاحترام، موضحًا أن تراجع المحبة ومخافة الله يؤدي إلى انهيار القيم، بعد أن كانت العلاقات تقوم على احترام الصغير للكبير، واحتواء الكبير للصغير، وتقدير التلميذ لمعلمه، وتشجيع المعلم لتلميذه، وحل الخلافات في أجواء من المحبة والغفران.

وأشار إلى أن مظاهر الإساءة والتربص وتصفية الحسابات امتدت إلى مجالات الرياضة والفن والدين، محذرًا من تحول الاختلاف إلى إهانة وتحقير للآخرين، وانتشار الشتائم والصراعات العلنية.

وثالث هذه المظاهر هو العبادة الشكلية، منتقدًا التناقض بين الحديث المتكرر عن الفضيلة وتعاليم الله، وبين الممارسات التي تتضمن النيل من أعراض الآخرين والتشهير بأخطائهم، مؤكدًا أن العبادة الحقيقية لا تنفصل عن السلوك والأخلاق، وأن الإنسان مدعو إلى ستر أخطاء الآخرين بدلًا من فضحها.

وفيما يتعلق بسبل العلاج، طرح القمص أرميا عبده ثلاثة محاور أساسية، أولها الرجوع إلى الله والتوبة، مستشهدًا بقول الرب: «ارجعوا إليَّ أرجع إليكم»، مؤكدًا أن الله ينتظر توبة الإنسان وعودته إليه.

وثانيها استعادة المحبة، مشددًا على أن المحبة الحقيقية تستر ولا تقبح، ولا تتفاخر ولا تظن السوء، وتدفع القادر إلى مساندة الفقير، وتعزز التكافل المجتمعي والتراحم بين الناس.

أما المحور الثالث فهو العبادة الحقيقية، التي تظهر في الأعمال وليس الأقوال، داعيًا إلى مراقبة الكلمات والتصرفات، والابتعاد عن الإساءة والعنف اللفظي، ومؤكدًا أن الله ينظر إلى القلب، وليس إلى المظاهر الخارجية، وأن الإنسان سيحاسب على أعماله وما زرعه في حياته.

واختتم القمص أرميا عبده صرخته بالدعاء من أجل مجتمع خالٍ من العنف البدني واللفظي والمرئي، ومن أجل ألا يكون الكبار سبب عثرة للأجيال الصغيرة، داعيًا إلى تكاتف المجتمع لبناء الإنسان وترسيخ المحبة والمودة والاحترام.

كما أشار إلى وجود نماذج مضيئة في المجتمع تعمل في صمت، وتعطي دون ضجيج، وتغفر للمسيئين، وتستر الساقطين، وتدافع عن المظلومين، معتبرًا أن هذه النماذج تمنح الأمل وتضيء الحياة بعطائها وإخلاصها.

واختتم رسالته بالتأكيد أن ما طرحه ليس دعوة لفقدان الأمل، بل صرخة تستهدف مواجهة الداء والبحث عن الدواء، من أجل استعادة القيم الإنسانية والأخلاقية وبناء وجدان الأجيال القادمة.