اتفق سائقا الميكروباص الصديقان، كريم سيد، ومحمد علاء، على نقل أقرباء عروسين بسيارتهما ليشهدوا الزفاف، فكانت رحلة السائقين الأخيرة، مأساة انتهت بمصرع الأول، ونجاة الثانى بإصابة، جراء اصطدامهما بسيارة ملاكى، تحوى متفجرات، بالقرب من معهد الأورام لعلاج مرضى السرطان، وسط القاهرة.
 
العروسان من منطقة البساتين، وهما جيران السائقين، وتحول الفرح لمأتم، بعدما مصرع أغلب مستقلى الميكروباصين، ومصرع العروسين.
 
خريطة زفاف العروسان، رسمها السائقان بخروجهما من البساتين ليصلا إلى برج القاهرة بمنطقة الجزيرة بالزمالك، وكوبرى قصر النيل، والعودة إلى البساتين من جديد، لكن خلال العودة حدثت المأساة على طريق الكورنيش، فكان في انتظارهما سيارة ملاكى تحوى كمية متفجرات.
 
خرج «كريم» من منزله ظهر أمس، وتلك المرة الأولى التي يخرج بها بالسيارة يوم بطوله «ليل نهار»، فكان وصديقه «محمد»، اتفقا مع أهل العروسين على زفافهما، كونهم جيران كلهم، ومتربين مع بعضهم البعض.
 
 
كان والد «كريم» في انتظار وصول ابنه صاحب الـ28 سنة، من حفل الزفاف: «مش بنام إلا واطمئن عليه»، بينما ينتظر رن هاتفه في الـ11 مساءً، ليتلقى الخبر الأفزع: «تعال ابنك عمل حادثة على الكورنيش وعربيته اتدمرت».
 
بالكاد لملم الرجل الستينى أعصابه، كى يصل لموقع الحادث، كان يرتجف وهو يقول: «ربنا يستر، يارب عندي ولدين بس، وكريم نور عينى»، ثم تشائم قبل اقترابه من الموقع: «الطريق كله كان واقف ولا يتحرك».
 
أحس والد السائق كريم بالرعب، أن يكون نجله قد لقى مصرعه: «دا فرحه يوم الخميس اللى بعد العيد»، وحين وصل إلى معهد الأورام، حاله ما رأى: «عربيته الصاج بتاعها سايح، ومتفحمة خالص.. وابنى أكيد جثته تفحمت».
 
منذ وقوع الحادث، والرجل في انتظار جثمان ابنه مر على كل المستشفيات دون جدوى، لم يستطع رؤية الجثة، جاء إلى مشرحة زينهم في انتظار استلام الجثمان، بعد الانتهاء من إجراءات الدفن والتشريح.
 
ينهار الرجل الستينى: «يا ناس إكرام الميت دفنه.. عاوز أشوف ابنى لو جثته محروقة هعرفه»، وبأسى يضيف: «ملحقتش أفرح بعيل من دم ابنى.. إن شاء الله يكون فرحة في الجنة».
 
تحول الشارع المقابل للمشرحة لسرداق عزاء كبير، لفيف من أصدقاء وجيران «كريم» حضرا لمواساة الأب المكلوم، تذكروا المواقف الإنسانية التي جمعتهم بالضحية، قبل وقوع الحادث بيوم، روى السائق الشاب العشرينى، لصديقه «محمود»: «عندي زفافه فرح بكرة ولما أرجع نبقى نتقابل يا صاحبى».
 
تختلط دموع «محمود» مع ضحكاته وهو يتذكر، اللقاء الأخير له مع صديقه: «كان راكن عربيته وقافل عليا في الجراج، وبعدين ناديت والدته وشكوت لها بهزار، وبعدين كريم اتصل بىّ وقابلنى وقال لىّ: (على طول تشتكى مني)».
 
عقب الاتصال التقى الصديقان ببعضهما، احتضن كريم صديقه بقوة، وقال له: «أوعى تكون زعلان منىّ يا صاحبى»، لم يستوعب محمود هذا الموقف سوى بعد الحادث: «كان بيودعني، وشكله حاسس الله أعلم».
 
حضر علاء والد السائق محمد إلى المشرحة، بعد أن طمئن على الحالة الصحية لنجله، الذي كان يقود الميكروباص الثانى العائد من الزفاف، وهو مُصاب بجروح وكدمات ويتقلى العلاج بمستشفى قصر العينى.
 
«خلاص يا علاء مش هتشتكي تاني من ابنى»، قالها والد كريم، لسائق الميكروباص الثاني، ليحضتنه الأخير، ويقول: «ابنك هو ابنى يا أبوكريم».
 
كان كريم اعتاد المُزاح مع صديقه محمد أثناء سيرهما بسيارتيهما، ويظن والد محمد أنهما يتشاجرا فيلجئ للشكوى لوالد كريم، ويكتشفا في النهاية مزاحهما.
 
عٌرف والد السائق محمد، بتفاصيل الحادث حين وصل لمحيط معهد الأورام، وقال إن سيارة ملاكى كانت تسير عكس الاتجاه وحين مرت السيارة الميكروباص قيادة ابنه اصطدمت بـ«الملاكى» وانشطر النصف الأمامى من الميكروباص، بينما اصطدمت سيارة كريم بالملاكى ووقع انفجار أدى لتفحمها عن آخرها.
 
وكان سيد شحاتة، وهو مالك السيارة التي يعمل عليها كريم، في هلع حين تحدث عن الحادث: «محدش قال الحقيقة في الأول.. وإحنا عاوزين حقنا، لأن السيارة الملاكى بتاعة إرهابيين وكان بها متفجرات».
 
يبكى «شحاتة» وهو يتذكر أن رحلة السائق كريم كانت الأخيرة على السيارة، وانتهت بموته بطريقة وصفها بـ«البشعة»، كتب قبل الحادث على صفتحه بـ«الفيسبوك»: «ربنا يسترها».
 
يسرد مالك سيارة الضحية، تفاصيل الحادث كما سمعها من شهود عيان: «السيارة الملاكى نزل صاحبها وفجرها»، وحين وصل ضباط الأمن تحفظوا على كاميرات المراقبة بمحيط الحادث.
 
تداولت الأخبار بمحيط المشرحة: «العروسان أصحاب الزفة لقيا مصرعهما هما كمان»، وأكد الخبر والد سائقا، لتزداد أحزانهما.
 
بينما يقرأ أصدقاء السائق كريم ما نُشر بشأن الحادث عبر الإنترنت، باغتهم الخبر الذي أعلنته وزارة الداخلية: «السيارة المتسببة في حادث معهد الأورام كان بها كمية متفجرات».
 
طالب والد السائق الضحية بـ«القصاص» من الإرهابيين: «عاوزين أصحاب الملاكى يتعدموا.. دول أفسدوا فرحتنا».
 
وصل رجل يُدعى «أيمن» للمشرحة، كان يتؤكا على عصا خشبية، تعينه على الحركة، بعدما أنهكه اللف على المستشفيات، إذ فشل في العثور على جثمان زوجته وابنته وابنه.
 
كانت أسرة أيمن ضمن ركاب سيارة كريم، وانتظر الرجل أمام المشرحة، عسى أن تصل جثمانيهم أو حتى أشلائهم، كما قال الرجل وهو يبكى: «بيقولوا فىّ جثث بقت أشلاء، وناس غرقت في مياه النيل».
 
كان الرجل يرتجف هو يتحدث عن الحادث، بعدما رأى ما خلفه انفجار سيارة الملاكى، وتحطيم واجهات عقارات ومعهد الأورام: «أكيد ولادي ومراتى اتقطعوا».
 
وانتشرت عناصر الأمن بمحيط المشرحة، ووضعوا المتاريس الحديدية بالشارع المؤدي لمدخل المشرحة.