بقلم أندرو أشعياء
بعدما حُدد له موعد إجراء العملية قُضي عليه ان يتمم بعض الفحوصات الطبيه والاستعدادت اللازمه لاجراء العمليه، اخذت على عاتقي ان اُلازمه بقدر الإمكان في هذه الاجراءات، فأذكر انني ذهبت معه مره او اثنتين للمستشفى وكنت في كامل سعادتي إذ ارى كيف كانت يد الله تعمل وبقوه معه، ولكن اتفاجأ بجمود هذا الشعور داخلي فور دخولي المستشفي، وفي غير إطاله كنتُ كلما صعدتُ سلم المستشفى قطبتُ حاجبيّ استياءً من هذا التشوُّه الذي يخترق عينيّ، ليس من سوء الرائحه التي لا اطيقها بل من قراّر أحدهم (ربما كان أحد البنائيين او غيره)، أن يترك تذكارًا في المستشفى، وقام بالكتابة بشكل قبيح على حائط السلم.
 
ولكني تعجبت واندهشت لماذا يسكتون على هذا المنظر فكلّمتُ احد العاملين هناك ولكنه اجابني باستياء ان كثيرين تكلموا اكثر من مره، ولكن يبدو أن أحدهم لم يتحمَّس لدهان حائط السلم، فكتمتُ ضيقي وتعايشتُ مع القبح، وكثيرًا ما يكون التأقلم أو التجاهل، حلاً لبعض المشكلات. 
 
ولكن دعنا من هذا الموضوع، ففي غضون ايام ليست بقليله تحدد له الميعاد ان يكون الجمعه الموافق 7-8 ،وسريعًا ذهبنا للمستشفى باكرًا جدًا إذ تحدد له ميعاد بدء العمليه الساعه الثامنه صباحًا، وصلت هناك ثم صعدت للغرفه التي يقيم بها ودون حياء طرقت الباب ودخلت لاجده نائمًا وبجواره دكتور بيشوي بشير، وصديقه واخيه شريف خلف الذي لم يتركه ولو لُحيظه، وإذا بوالده يقف امام الباب والدموع تسبقه، وامه تتمالك نفسها من اجله، الصمت يسود المكان، ليس إلا ثورة الانفاس وكأن اركان المكان انعزلت عن الكون، وبدأ الحنين يستشري داخلي وكـأنه مياه منجرفه لا يستطيع احد ايقافها فاتمنى ان يتوقف الزمان كى احتضن هواه من جديد فالعمر كاد أن يُحسب سراب وهو الان بنظرى بكل الاحباب ..
 
امسك هو بصورة للسيده العذراء وبدأ مرتلاً: وعند مفارقة نفسي من جسدي احضري عندي ولمؤامرات الاعداء اهزمي .. وبدأت قصة آلم إذ طرق الباب ربما احد الاطباء المسئول عن تهيئة اعصابه واعطائه (حقنة) تُهدئه واشار الينا بان ميعاد العمليه قد حان ، نظرت الي عينيه وإذ بنا نلتقي فى صمت ويرحل عنا كل حديث وكأننا إثنان أغراب جعلنا الحديث يحكى صمت ..
 
خرجت لمناداة والدته التي نزلت لصيدليه المستشفى، ولكن بين الحين والآخر تجتذب الكتابة (كما اوضحت سابقًا) على الحائط انتباهي، ولكن سرعان ما أنساها، والغريب أني لم أحاول أبدًا أن أقرأها، ولكن وأنا أرتقي السلم عائدًا اليه.
 
تعرقلت قدماي من قلة التركيز وإذ بمفاتيح اعتدت ان امسكها بيدي وقعت على السلم، فانحنيت متنهدًا لألتقطها، ثم رفعت رأسي لأ لأكمل مسيرتي بل لترتطم عيناي بالتشوُّه الحائطي على السلم، وقرأت للمرة الأولى تلك العبارة المكتوبة: «اذكر الله»! أول ما جال بخاطري هو التهكم، فقلت في عقلي: «حاضر يا عم الشيخ»، ثم نسيت الأمر وأكملت سيري كالمعتاد. بمرور الوقت تآلفت مع العبارة، فكنتُ إذا وقع بصري عليها – عادةً دون قصد – قلتُ بتخشُّع: «يارب» 
 
عدت للغرفه لاجدهم قاربوا الانتهاء من الاستعدادات وإذا اجده بين اليقظه والغفوه جراء ادويه كان قد اخذها استعدادًا، وقفت دقائق مرت علئ كايام، وإذ بي اعود مفكرًا في الكتابه التي على الحائط متأملًا (اذكر الله( . الإنسان كثير النسيان، ينسى أقاربه أو أصدقاءه، أو ما يتوجّب عليه عمله، وبالمثل قد ينسى الله، وأحيانًا يتناساه! فتأتي هذه العبارة كضوء أحمر يذكّره بما نسيه.
 
قيل لي إن ربنا «افتكر (ذكر)» فلانًا، توفّاه إليه. وكأنه قد نسيه مدة في أرض الشقاء هذه، ثم إذ ذكره نقله إليه!
 
قديمًا قال المرنّم: «إلى متى يا رب تنساني؟»، وعقّب أحدهم: تُرى مَنْ الذي نسي الآخر: الله أم داود؟ لقد نسي دَاوُدَ الله، فبدا وكأنه منسيٌّ منه. تأسرني طلبة اللص اليمين «اذكرني يا رب متى جئتَ في ملكوتك»، وتلك الاستجابة الفورية والذكر المؤبد الذي منحه له الرب. 
 
كبرياء الإنسان يأبى أن يعترف بأنه هو البادئ بالتناسي، بل ويستمتع بدور الضحية، ضحية نسيان الله! والله في خيريته يتغاضى عن ذلك، ويساير ابن آدم في محدودية أفكاره واعوجاجها، ويظهر بمظهر من تذكر ولده المنسي! 
 
متى أتذكر الله؟ حينما أوقن أن ليس سواه. ففي أغلب الأوقات أعتمد على ذراعي وفهمي، وإن عجزا ألجأ للعلاقات، وربما أسلك طرقًا ملتوية، ولكن متى سُدَّت كل السبل، حينئذ أذكر – بخجل – الله، الذي لا يعسر عليه أمر، وهو بنُبل يتدخل ويستجيب .أكره أن أحادث شخصًا انقطعت صلتي به، لكي أطلب منه خدمة ما.
 
وأتضايق كذلك ممن يتذكرني فقط عندما يكون في احتياج لي.
 
ولكنني أفعل هذا مع الله، اذكره فقط وقت الاحتياج! وهو – جلّ اسمه – يستجيب، دون إبطاء أو لوم. حقًأ قال النبي في المزمور «أذكُرُ اللهَ فأئنُّ. أُناجي نَفسي فيُغشَى علَى روحي» (مزمور ٧٧: ٣) ، وبدأ لساني دون تركيز
 
يردد: اذكر يارب ........ 
وفيما كنت مفكرًا في هذا الكلمات قاطعني صوت طرق الباب وإذ احد المشرفين الذين كلفوا بنزوله لغرفة العمليات، وفي دقائق مهيبه ودموع صامته وصلوات كادت ان تهز المكان، وبينما كاد هو ان ينام اخذوه لغرفة العمليات. مشيت بجواره ويغمر الجميع خشوع رهيب وثورة صامته مملؤين حرص بالهدوء لئلا يستيقظ هو .. الاب مغلوب من ابوته ومحبته، والأم تحاول طرد دموعها ولكن لا بأس ..
 
ولكن ما أود أن أنقشه جيدًا أن في هذا اليوم بحق جميعَا كنا بنفس واحده .. كانت مشاعرنا متأججه. فبقدر ما كانت نفوسنا متضطربه قبل العمليه بقدر ما كانت الفرحه تغمرنا بعدها ..أتذكر أن امهات كثيرات جدًا ظلوا صائمات (انقطاعي) حتى خروجه من العمليات وكن واقفات على أبواب منازلهن يترقبن الاطمئنان عليه من أي شخص بل ومنهم من زغردن كثيرًا لفرحة سلامته، بل والأعجب أنه سريعا ما عاد للكنيسه بعد العمليه رغم تحذيرات الأطباء بضرورة قضاء فترة نقاهة، وحتمًا لن ننسى أن ليلة خروجه من العمليات اثار نقاشا مع الطبيب المرافق له حول موضوعات من اللاهوت المقارن عندما عرف انه غير ارثوذكسي .. والكثير والكثير. ولكن ما يأسرني ويأثرني ويثيرني إذ كيف في وقت قصير جدًا وقياسي استطاع أن يقتحم بمحبة قلوب الناس ويتربع بخفية على عرش قلوبهم .. حتما أنها اثار اقدام الخدمة الباذله.