الأب  أثناسيوس حنين يقدم
Does God suffer?

The Suffering of the Impassible God
معاناة الله الغير القابل للألم
The Dialectics of Patristic Thought
وسطية  الفكر الأبائى الحوارية
By Paul L.Gavrilyuk
Oxford University Press ,20004.
 

شغلت قضية ألام الله الفكر الكونى  الفلسفى و المسيحى منذ تعليق المسيح على خشبة والى اليوم  . وتعددت الرؤئ وتشعبت الأراء وتشيع الناس ’ ولكنها تمحورت فى رؤية فلسفية هيللينية عقلانية ورؤية عبرانية نبوية وكتابية ناموسية وشرعية  ورؤية مسيحية أبائية وجودية ونعموية لوغوسية  متكاملة . تداخلت النظريات بشكل جعل مهمة اللاهوتيين من الصعوبة بمكان . ذهب الفلاسفة اليونانيين ومن يسير على نهجهم الى أن الله متعال ولا يتألم ولا علاقة له بالتاريخ وهموم الناس ’ بينما ذهب العبرانيين الى أن الله هو  أله الأنبياء يتألم مع البشر ومن أجلهم .أله أرسطوا هو أله لا يتألم ! بينما اله ابراهيم واسحق ويعقوب هو أله يشارك البشر الامهم وهمومهم وطموحاتهم . أن اله العبرانيين والمسيحيين هو "رفيق المعاناة وصانع النصرة " .  فى لغة الأباء والتى هى امتداد للغة الكتاب ’ لكى يشارك الله البشر معاناتهم ’

لابد له من طبيعة بشرية خاصة وهنا وصل الفكر المسيحى  عبر التاريخ المسيحى المبكر’ الى رؤية تبدوا بارادوكسال أى متناقضة شكلا ’ ولكنها متكاملة موضوعا وهى أن الله الغير القابل للألم يتألم حبا.الله لا يتألم من حيث أنه قادر على هزيمة الألم ’ ولكنه يتألم من حيث أنه قادر على قبول الألم من خلال الطبيعة البشرية . قال أحد اللاهوتيين " فقط اله متألم يقدر أن يعين المتألمين ". أن حب الله للبشر وحنانه ’ يتطلب أن يكون هوهو الأله الذى لا يخضع للألم لكى يقدر أن يعين المتألمين ’ وبتألم فى شركة مع المتألمين. وهنا يأتى التجسد كحل لوغوسى -منطقى  لمشكلة الألم وخاصة ألم المؤمنين الذى أسلموا ذواتهم الى نعمة المسيح ايقونة الله . .يبقى أن أباء الكنيسة واجهوا مشكلة اللغة التى تعبر عن هذه التناقضية (الباراذوكسا كما كان يسميها الأب متى المسكين)’ لغة تليق بسمو الله وكرامته وتعاليه عن الألام من ناحية ’ وفى ذات الوقت لغة تعبر عن شركة الله وتنازله  وحضوره فى تاريخ  الناس من الناحية الأخرى .العهد القيم حافل بمواقف بغضب فيها الله ويحزن ويندم والأنجيل حافل بالمواقف التى يظهر فيها الله حنونا ورحيما وعاطفيا ومجاملا فى السراء والضراء . الأريوسيون  نادوا بأن المسيح هو شخص سماوى ولكن تجربة الولادة والمعاناة والموت هى أمور لا تليق بالألوهة !كانت مشكلة الاريوسيين فلسفية بالدرجة الاولى ’ يريدونه مسيحا يتيما بلا أب  !’

أنه من العار أن يجوز الوجود الألهى فى مثل هذه الأمور الأرضية .قالوا .وقام الشبهيون(الدوكوتيون ) بتكملة الرؤية الأريوسية بألزعم أن المسيح قد تألم شكليا أو شبهيا لكى يحفظوا للاهوت كرامته وهيبته !حولوا واقعية الصليب والقيامة الى تمثيلية ’ولعل الفكر العربى قد تبنى الرؤية الفلسفية للشبهيين بأنه من العيب والغير اللائق أن يتألم الله ’ فنادوا بأنه (ما صلبوه وما قتلوه بل شبه لهم ) القرأن يريد تكريم الله وينأى به عن الألم ولكنه نفاه من أرض الأحياء وحول الناس الى يتامى متسولون على باب رحمان لا يرحم (الا بمزاجه وحسب أهوائه ).رفض أغناطيوس الأنطاكى وايرينيؤس الليونى هذا الفكر مع كل الاطار  الكونى والتاريخى والخلاصى الذى يحويه ’ ونادوا بأن الولادة والموت والمعاناة هى أحداث تاريخية حقيقية ولا تنال من قدر الله بل تكرمه . دلل الأباء على صدق الام المسيح بحياة الشهدء والنساك والمؤمنين والعلماء والفاهمين عبر التاريخ و "شهداء الضمير " والتى تمت كأقتدء بالمسيح وكما بشروا بالمردودات العملية لصيرورة الله انسانا شريكا فى حياة الناس ’بأنه ولأن المسيح يمتلك جسدا حقيقيا ’ فأن المعمودية تلد اناس جدد و الأفخارستيا تصير دواء الخلودللذين يشتركون ’ بايمان ’ فى جسد المسيح ودمه.جاء مجمع نيقية 325 م فحقق التوازن الخلاصى ونادى بالتجسد فى توازن انسانو-لاهوتى وما أروع مما حقق لله تعاليه فى سمائه وفى نفس الوقت تنازله فى المسيح بالروح القدس فى الكنيسة الواحدة والتى صارت هى هى جسد المسيح الحى الممتد فى التاريخ والشاهد للنعمة المخلصة لجميع الناس . أدى ظهور نسطور الى وصول قضية الأم الله الى قمتها . لقد سار نسطور على نهج معلمه ثيؤدوروس الموبسيستى ونادى بأنه ومادام الله لا يتألم  الإان العنصر الالهى أو الطبيعة اللاهوتية لا يمكن أن تشارك فى الام المسيح. ومن هنا ميز بين عنصرين فى المسيح أحدهم الهى والثانى بشرى وأنه لا يجب أن ننسب الام المسيح البشرية الى الطبيعة الالهية .أله نسطور لا يمكن بأى حال أن يكون خاضعا للولادة والموت والألام والبهدلة وقلة القيمة .

ظهر كيرلس الاسكندرى((444م ) والذى فند هذه الرأى ورأى أنه من الخطأ تقسيم المسيح الى شخصين أو وجودين ’ وأكد أن اللاهوت ’ أى الله ’ وبدون أن يتوقف عن أن يكون الله ’ هو هو نفسه أخلى ذاته واخذ طبيعة انسانية وصار هو هو المسيح الذى عاش كل الأحداث التى يرويها الانجيليون .يرى كيرلس أن الله لا يمكن أن يتألم الا أذا أخذ جسدا انسانيا ووجودا بشريا .من هنا يفضل اللاهوتى الاسكندرى الحديث عن الله المتأنس والذى صير الجسد الانسانى جسده الخاص فى المسيح .أى أن المسيح هو انسان الله وهووجه الله الانسانى .أكد كيرلس بأن الله ’ الذى لا يتألم ’ لم ينسحب الى سمائه ويقف فى سمائه يراقب المسيح يتألم ’ ولكنه الله نفسه الذى شارك فى تجارب الطبيعة البشرية وصير الولادة والموت والمعاناة امورا خاصة به . هنا ظهر لاهوت (اخلاء الله لذاته فى المسيح ) حسب ما جاء فى الانجيل (فيليبى 2)لا يقع الألم على اللاهوت بل على الناسوت المتحد باللاهوت فى شخص المسيح الواحد . هذه خبرة وجود وليست بحثا فلسفيا ’ لا يعنى هذا التقليل من دور الثقافة والفكر فى الرؤية المسيحية لأنها وببساطة (ديانة الكلمة المتجسدة )ولكن الفكر المسيحى ساجد فى شموخه بينما الفكر الفسفى شامخ فى احتقاره للأرض ومن عليها..ومن هنا جاء حذر الكنيسة الاولى من الفلسفة الهيللينية والتى قال فيها هيبوليتس اسقف روما (170 -235م) بأن الهراطقة لم يأخذوا حججهم من الكلمة المقدسة بل من الفلسفة اليونانية اى ليس من العقل المنسكب فى القلب بل من العقل الضال ’ وحده ’ فى كور بعيدة يشتهى الخرنوب الثقافى ويبذر رصيد النعمة والفكر الراقى  فى عيش مسرف ومشتت مع زناة الفكر من كل حدث وصوب ..الخبرة ساجدة والعقل شامخ .الألم الانسانى واللألم الألهى وجهان لعملة واحدة وهنا تكمن  فرادة الرسالة المسيحية وعبقرية المسيح . ومن هنا نقترب خاشعون من فهم احداث الاسبوع العظيم . قيامة مجيدة على الجميع .