بقلم – روماني صبري 
ضجت منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام مؤخرا بأخبار ومقاطع فيديو عن الفنان "محيي إسماعيل"، رغم أن قطاع كبير من الجمهور كان يراه متعجرفا مصاب بأشد النرجسية وثقل الدم، لاسيما الشباب، ما جعله يصوم كثيرا عن الظهور في البرامج التليفزيونية لسنوات، فنزوي أكثر في وحدته التي لم يختارها مجبرا دون أن يشعر بضيق التنفس إزاء حبه له ودائما ما عكست تصريحاته هذه الحقيقة ... بمجرد أن ظهر إسماعيل في لقاء صحفي وهو يجيب على أسئلة مراسل قناة " الفن" في إطار فعاليات مهرجان الإسكندرية السينمائي في دورته الـ35، باقتضاب شديد وبأسلوب تعتريه خفة الظل واقفا كالديك الرومي يقول متعجلا للمراسل :" ها إيه تاني"، حتى شرع الملايين في البحث عن لقاءاته القديمة وراحوا يتحدثون عنه وعن خفة ظله !، مستعينين بعبارته "ها إيه تاني" في إنهاء الحوارات عديمة الجدوى وكذا في التعبير عن رفضهم للأسئلة الشخصية التي يوجهها إليهم الآخرون، إذ تثير الريبة، كأن عبارته هذه المرة مسحورة، كونها لم تجعله محطا للسخرية كما كان يحدث في كل لقاء، رغم أن المنشورات والتغريدات التي جاءت ردا على لقاءه الأخير لم تخلو من المرح، ويكمن الاختلاف هذه المرة أن كثيرين اتخذوه أبيهم الروحي قائلين :" بالفعل هو الجوكر المصري." 
 
ومن ضمن هذه الفيديوهات واحد إذاعته فضائية "ماسبيرو زمان"، فغزا منصات التواصل على الفور، وهو لقاء قديم جمع إسماعيل وهو في بداياته الفنية مع الشاعر والسيناريست الكبير الراحل صلاح جاهين، الذي ظهر عابسا طوال اللقاء ذاهلا بأنه كيف لأمثال محيي إسماعيل رفض دور سود فيه القليل من الورق حتى أصابه سيلان الدمع، واصفا إياه بدميم الشكل، الفنان الذي بات يبحث عن ادوار البطولة ؟!، ليفضح إسماعيل الكيفية العنصرية التي كانت تحكم الفن في مصر، ما آثار الغضب وأتذكر تعليق صديق :" اللقاء جعلني استكشف صلاح جاهين من جديد لماذا عامل إسماعيل بهذه العنصرية"، فلنتذكر ما جاء في اللقاء.
 
جاهين : اشعر بضغينة تجاهك .. كيف ترفض دور بعثت به إليك ؟! .. دور كتب من أجلك لتجسده، لكنك رفضته والسبب بات لا يناسبك لأنك بت تطمح في تجسيد ادوار البطولة .
 
 إسماعيل : كلا ما تقوله عاري من الصحة، محيي إسماعيل لا ينتهج هذه الكيفية في اختياراته الفنية، أؤمن أن جوهر الفن هو الإحساس .. رفضت دور كتبه الأستاذ صلاح جاهين ولا يعني ذلك إنني ارفض كل كتباتك ثمة اختلاف كبيرا، بعثت إلي بدور جسدته مرارا وتكرارا بالتالي ليس من ألاثم العظيم رفضه. 
 
جاهين : لتعلم أن الأدوار العظيمة هي التي تتناول المعاناة الإنسانية، والدور يعكس هذه المعاناة، ولا استطيع أن أنكر أن مساحة الشخصية كانت صغيرة، لكن من المؤكد أن الندم سيطغى عليك ويستبد بك بعد طرح الفيلم بدور العرض السينمائية، وقتها ستحدث نفسك قائلا :" كيف لي أن ارفض هذا الدور العظيم .
 
إسماعيل : دوري في فيلم "خلي بالك من زوزو" كتبه صلاح جاهين ولم ارفضه.. الموضوع عندي مش بالطول والشبر، ولكن على اثر ثقل الشخصية ومواقفها خلال أحداث الفيلم جسدتها .. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن الم يحدث محيي إسماعيل دويا منذ خطت أقدامه عالم السينما من خلال أفلامه الخمس ؟! .. ألا استحق جراء ذلك أدورا أكثر عمقا ومساحة ؟! .
 
جاهين : محيي إسماعيل فنان واسع الموهبة، لكنه يفتقد مواصفات الفتى الأول، لذلك من المستحيل أن يتفرسن نجمات السينما في وجهك .. شوف السينما في مصر قايمة على ممثل أول وشخصية .. محيي إسماعيل شخصية (كاركتر) .
 
إسماعيل : أنا أيضا أصلح لادوار البطولة، وثمة من يشبهني في هوليود وهو الممثل الأجنبي الشهير "داستن هوفمان" قصير أيضا وغريب الأطوار يرتدي نفس ملابسي ويمتلك انف ضخم، ولكن دعنا نقيمه كممثل.. الرجل لهيب من الموهبة .
 
 جاهين : في (اجنبيا) دي اللي بتقولوا عليها .. الفنانين هناك قدموا أعمال كتير فبيحاولوا يغيروا .. عكس السينما المصرية هتفضل البطلة تحب الشاب الوسيم وأنت مش وسيم ..أنت مش حلو شكلك مش حلو.
 
 إسماعيل : وهل كان يمتلك عبد الحليم حافظ موصفات الفتى الأول ؟! .
 
جاهين : صوته الجميل خلى الناس تشوفه حلو .
 
إسماعيل : ومحيي إسماعيل لديه الجاذبية، يكفيني إحساس الممثل.. لا أضع على راسي باروكة خلال التمثيل حتى اظهر بشعر شديد النعومة .. لا تنسى أيضا انه زي واحد ارتديه طوال الفيلم ورغم ذلك أي دور أجسده يحدث دويا وأصبح محل اهتمام الشارع ووسائل الإعلام ، إلا يعكس ذلك موهبتي وبراعتي الفنية.. يطفح داخلي أحساس الفنان وهذا يكفي .. لم أصل للملايين أدرك هذا ولهذا أسبابه ومنها ابتعادي عن الوسط الفني ..
 
جاهين : لما يكون في دور المخرج والمؤلف شايفك فيه اعمله .. طالما مرسوم عليك.
 
إسماعيل : انه ما يبث الحزن إلى النفس، ثمة شيء ما في أعمالي السابقة يجعلني أحاول اقتناص ادوار أكثر قوة حتى أبحر في أغوارها .. ادوار أجسدها تختلف وتيرتها وتشتد عن كل ما قمت به، ألا يستحق محيي إسماعيل ذلك، ألا يكفي ما فزت به من جوائز حتى يدفع باسمي إلى واجهة المشهد السينمائي، آثمة متعة في تكرار نفس الدور مرات ومرات ، هذا يلقى بنا بعيدا عن جوهر الفن ، أنا كافر بهذه الكيفية وانتم تغالون كثيرا، ما يجعلني أعانى جراء هذه الكيفية.
 
 
جاهين : محيي مفيش بنت هتتفرس في وشك و تتنهد وتقول محيي وجمال محيي .. مناخيرك زى المنقار وحواجبك كل واحدة في ناحية .. أنت فقير بمواصفات الفتى الأول.
 
إسماعيل : خلال نفصل بدل ونلبس لكن عاوز أقولك أن وشي حلو في الكاميرا وجذاب وممكن واحدة ترضى عني .
 
جاهين :  عموما بتمنالك كل خير .
 
إسماعيل : لا مينفعش تنهي الحوار بجملة معينة .. أنا زي ما أنا مش هتغير وهفضل واخد جنب لوحدي عشان اسمع الألفاظ اللي بتتقال عليا زي مجنون ومغرور ومنعزل .. محيي إسماعيل فنان صادق ومش كبير لان الفن محيط .. لو كبير صحيح كنت بقيت فتى أول.
 
جاهين : أنت فنان كبير .. لا شك في ذلك وأتمنى انك تحطم أسطورة الفتى الأول
 
ربما لحفظ ماء الوجه قرر جاهين في النهاية تغير موقفه وإعلان كفره بأسطورة الفتى الأول، بقوله لمحيي "حطم هذه الأسطورة"، .. فيض متدفق من العنصرية طغى عليه طوال اللقاء، وكان يخرج من نطاق إلى نطاق أوسع، الفنون لا تعرف الشكل ولا الجنس، ومن الأخطاء الكبرى التي وقع فيها جاهين سخريته من محيي كونه متابع جيدا للسينما العالمية قائلا "أجنبيا اللي بتقولوا عليها دي"، السينما لا تقتصر على دولة بعينها .. في النهاية انتصرت قناعات إسماعيل على أفكار جاهين القديمة .. أتدرون عادل أمام وأحمد زكي رآهم النقاد لا يصلحون لتجسيد دور الفتى الأول وحجتهم كل ما قاله جاهين واتينا على ذكره ... وان عدنا للواقع السينمائي الحالي سنجد الأسطورة تحطمت ..لكننا سنجده أيضا أكثر وحشة، وكأن السحر انقلب على الساحر، بات بطل الفيلم السينمائي الآن يستطيع تغيير المخرج والمؤلف والممثلون الثانويين بحركة من أصابعه طالما رضي عنه نوع معين من الجمهور .. واقصد الفئة الأكبر من الشعب التي تجعل داخلها بوتقة للعنف.