مجمد حسين يونس
مع بداية القرن التاسع عشر (1801 ) كان عدد سكان مصر'> مصر طبقا لتقرير (مسيو جوبير ) في كتاب (وصف مصر'> مصر المجلد الأول صفحة 19 ) هو ( 2.467.100 ) مواطن بالإضافة إلي 130.000 بدوى من سكان الصحارى يصعب حصرهم بدقة يسيرهم شيخ القبيلة و لا يخضعون لحكم الباشا أو البكوات.

بمعني أن الشعب المصرى من الإهمال و التهميش و الإستغلال .. و معاناة الفقر و تأثير الأوبئة .. كاد أن ينقرض .. الغريب أن هؤلاء المصريون الذين نجوا من الإندثار كانوا علي درجة كبيرة من الجهل و الفقر .. و الغفلة ..و خليطا غير متجانسا .. من المماليك .. و البدو .. العبيد .. و الخدم ..و الأرزقية .. فلنر تصنيف سكان قاهرة ذلك الزمن كما جاء بنفس الإحصاء

كانوا حول ربع مليون نسمة ..(250.000 - البعض يصل بهم إلي 300.000 )

((منهم المماليك 12000 ، الملاك 6000 ، التجار 4000 ، حرفيون 25000 ، صغار تجار القطاعي (السريحة ) و بييع الطعام 5000 ، القهوجية 2000 خدم ذكور 30.000 حمالين و عمال يومية 15.000 نساء 126.000 و أطفال 75.000 )) و لم يذكر الإحصاء عدد رجال الدين .. قد يكون بسبب أنه لم يعتبرها مهنة يتكسب صاحبها منها .. أو لانهم محسوبين ضمن الفئات المختلفة السابقة ...لا أعرف

من هذه البيانات الإحصائية .. لك أن تدرك.. حجم الفقر و البؤس الذى كان يعيش فيه القاهرى في هذا الزمن ..فحوالي 89000 من سكانها أى الثلث من حثالة البروليتريا يعملون في أعمال غير إنتاجية بمعني أرزقية ... فإذا أضفنا لهم النساء و الأطفال تصبح الأغلبية في مدينة القاهرة من العاطلين أو الذين لديهم أعمال غير منتظمة أو هامشية بحيث نرصد بسهولة حجم هشاشة المجتمع ..وضعف و تدهور القوة الإنتاجية التى كان عليها القاهريون مع نهاية حكم الإنكشارية .. و لك أن تتخيل الحال في باقي المدن و القرى و الكفورمقارنة بالعاصمة .

ومع ذلك بعد جلاء قوات نابليون عن مصر'> مصر كان أهلها قد تعلموا درسين جديدين ..

أولهما أنه يمكن مكافحة الإستعمار و الثورة ضدة (حدث هذا مرتين ) حتي لو كان الغاصب في حجم قوة و تقدم جيش نابليون و مدافعة .. بل يمكن إحداث خسائر مؤثرة فيه مثل إغتيال كليبر

والدرس الثاني ..أن بالعالم يوجد بشر يختلفون عن انكشارية بني عثمان وأن بمقدور مصر'> مصر أن تخرج من جب التبعية الي براح حرية إتخاذ القرار..الذى إفتقدته يوم أن سمح المرتزقة لجنود قمبيز بتخطي التحصينات و إحتلال البلاد .

مصر خلال هذا التاريخ الممتد لمدة 23 قرن (من 525 ق.م الي 1800 م ) تراوحت بين أن تكون مستقلة و لكن تحكمها أسر(عائلات )غريبة عن أهلها أشهرها البطالسة و اسرة إبن طولون و الفاطميين و أسر المماليك المختلفة.

او أن تكون في فترات اخرى ولاية من ولايات إمبراطورية سائدة مثل الامبرطورية الرومانية ُو إمبراطورية إبن الخطاب ، فالامويين و العباسيين.. وإنتهاء بالامبراطورية العثمانية .

خلال الحالات الاولي كان دائما ما تتكون أرستقراطية غريبة عن أهل البلد منفصله عنهم تستعمل لغتها الخاصة و تعيش في جيتو .. تزيد من فقر وتخلف الشعب ليظل ينتج من أجل رفاهيتها ..قد نضيف لهذا تلك الفترة التي أمضاها نابليون في مصر'> مصر يستغل شعبها لإطعام و إعاشة جنوده... ولكنه للحق لم ينزح خيرها للخارج مضطرا بسبب الحصار الإنجليزى .

هذه الارستقراطية كانت تحتكر التعليم والرخاء والرفاهية و الحياة اللينة ..في حين يعيش الشعب علي الكفاف وإجترار احلام عظيمة يغذيه بها الكهنة عن إنجازات و إنتصارات مشكوك فيها لسلف لا تربطة به إلا الإنتساب لعقيدة تجعله يشعر (وهو المغلوب علي امره ) أنه ينتمي الي وطن ترتفع اعلامه الي عنان السماء ..

يكفي مناظرة الحياة في اسكندرية البطالسة وما قابلها في تعاسة باقي أجزاء المحروسة و مع ذلك حزن الشعب علي كسرة (إكتيوما ) التي لم يشترك فيها الا بالتصفيق

او تلك المباني الفاخرة التي أقامها المماليك من وكالات واربع وقصورومنازل علي ضفاف بركة الأزبكية في مقارنة مع قرى ومدن الشعب غير الادمية .. في تناقض مع حزن العامة علي ما حدث لطومان باى ..

لنكتشف كم كان حجم التضليل عميقا.. و سالبا للفكر و الإرادة ... و محبطا لكل عومل التغيير و الثورة .. بحيث إستمر التدليس لقرون .

في الحالة الثانية عندما تتحول مصر'> مصر الي عزبة يمتلكها القيصر او الخليفة شخصيا ..يكون النهب واضحا و السقوط واضحا والجهل و التخلف وسيادة الخرافة والايمان بالخوارق و إدعاء الاتصال بالسماء هي السمة الغالبة علي المصريين المنكسرين شبه العبيد ( الأقنان ) الذين يتوارثون إنكسارهم جيلا بعد أخر يقتاتون علي أوهام رابطة غامضة يكون دورهم فيها موالي و مسالمين .

مع مدخل القرن التاسع عشر كانت اوروبا علي العكس تضيئها الفنون الراقية من موسيقي و نحت و تصوير وبالية، مع أضواء الفلسفات الكلية التي جعلت لاهوت العصور الوسطي ينكسف ..

وما أن إنتهي هذا القرن حتي كانت نظريات مثل الدارونية و الماركسية و التحليل النفسي وقوانين الوراثة و الفلك و العلوم الرياضية و الفيزيقية تخدم التطور التكنولوجي بحيث توصلت اوروبا الي إستخدام طاقة الفحم في تسيير القطارات والبواخر.. ومع الكهرباء و التلغراف والتليفون أصبح العالم أكثر قربا وتفاعلا..

و إن كان ما يهمنا هنا.. أن علماء الأثارالأجانب فكوا غوامض الهيروغليفية .. و الديموطقية المصرية ..و المسمارية الأشورية و البابلية ..و إنكشف لهم تاريخا منسيا من قرون .. و حضارة غابرة قامت علي أرض المنطقة ..

صاحب هذا الكشف نمو إنتماء (وطنيا محليا ) صاعدا.. ينافس الإنتمائات السائدة للبدو والخلافة التركية وحواديت اليهود .

هذا التطور الأوروبي واكبة عاملان محبطان الاول هو قوة البنوك العالمية و إستخدامها القروض لفرض إرادة الدول الكبرى علي المدين وهو أمر سنناقشة تفصيلا في بوست قادم ....عندما نتحدث عن السقوط في زمن الخديوى

ثم الاستعمار الكولوني العسكرى الذى قامت به دول اوروبا خصوصا إنجلترا و فرنسا في تنافس مرهق علي الاسواق و مصادر المواد الخام مدعين أنهم ينشرون الحضارة بين أقوام غافلة ..

فلنر ماذا فعل القرن التاسع عشر بالمصريين ..
في كتاب عن عمر مكرم للدكتور عبد العزيز الشناوى .. يقص علينا ..(( لقد تعرض الشعب بعد جلاء الفرنسيين لفترة من أحلك الفترات التي مر بها في تاريخه الحافل سادت البلاد فوضي سياسية عنيفة لم ير الشعب مثيلا لها من قبل تصارع كل من العثمانيين والمماليك علي الحكم و النفوذ وتصارع كل من الانجليز والفرنسيين علي السيطرة و كان الشعب الكادح هو الضحية ..إضطرب الامن ،إنقطعت وسائل الاتصال ،تدهورت الحالة الاقتصادية و عزت الاقوات و إمتلأت مصر'> مصر بأخلاط شتي من جنود لا تربطهم بالشعب أواصر محبة او ود .. كانوا ينهبون المتاجر ويهاجمون المنازل ويعتدون علي الاعراض و يخطفون العمائم من رؤوس المارة و مضي العسكر العثمانلي يمعنون في عمليات السلب و النهب و القتل و ينشرون الرعب في الريف و الحضر .. وتدخل السيد عمر مكرم لدى السلطات لوقف هذه الاثام و لكن كان الزمام قد إنفلت من أيديهم ))

(( ولما إشتد الكرب بالشعب وجاوز الظالمون المدى قاد السيد عمر هبة شعبية هادرة في وجه الوالي العثماني (احمد باشا خورشيد ) الذى أسرف في ظلم الشعب و نجحت الهبة بإنقلاب مايو 1805 م بحيث إستطاع الشعب فرض محمد علي وعزل الوالي )).

تاثير السنتين اللتين عاش فيهما المصرى يستمع من الفرنسيين الي شعارات الحرية و الاخاء و المساواة ويرى سلوكياتهم التي إكتسبوها من مبادىء الثورة الفرنسية .. أثمرت عن (منافيستو) وضعه الشعب وقبله محمد علي و كان اهم بنوده ((إقامة العدل و الكف عن المظالم وعدم إستغلال الشعب و الرجوع الي الزعماء )) بمعني حرية ،عدالة إجتماعية ،ديموقراطية .

و رضخ الخليفة العثماني لهذا التطور فاصدر مرسوم تعيين (محمد باشا علي) يتصدره و (( حيث رضي بذلك العلماء والرعية )) ..و لا حاجة لي أن اقول انها كانت المرة الأولي

.(( نكمل حديثنا غدا )) .#دفتر_إنكسار_أهلك_يامصر