كتب – محرر الاقباط متحدون ر.ص 
بعث  البروفسور أسعد قطان أستاذ اللاهوت في جامعة مونيستر في ألمانيا، رسالة تحوي تأملات في بيزانطية، وجاء نصها : 
 
لا أعرف مكاناً في العالم يتحدّى كلمات يسوع الناصريّ «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» أكثر من الآيا صوفيّا. والحقّ أنّ القيصر جوستنيان أرادها تمثيلاً أرضيّاُ للحكمة الإلهيّة، ومن هنا اسمها الذي لا علاقة له بقدّيسة من مصر تدعى «صوفيّا» كما يعتقد بعضهم، وفقا للمتحدث الرسمي للروم الأرثوذكس في مصر.
 
الفكرة المعماريّة تتلخّص بكلمة واحدة: الحكمة. الفلسفة في المصطلح اليونانيّ، هذا الجهد العقليّ الذي يدور ويتقصّى ويتحرّى ولا يقرّ، هي محبّة الحكمة.
 
ربّما أراد جوستنيان أن يترك للأجيال وصيّةً قوامها أنّ الفلسفة الحقيقيّة هي طلب الإلهيّات. وربّما أراد أن تصبح الحجارة مرايا السطوع الإلهيّ الذي لا يسكن في حجارة.
 
هل نجح في مشروعه الترميزيّ؟ لا شكّ في أنّ الكنيسة صارت أيضاً عنواناً للعبقريّة المعماريّة البشريّة. ولكن في الفكر البيزنطيّ ليس ثمّة تضادّ جذريّ بين الله والإنسان، بين الدينيّ والزمنيّ. الفصل بين الدين والدولة لم يأتينا من بيزنطية، بل من أوروبّا اللاتينيّة التي حفر الصراع بين البابا والملك حضارتها فأنشأ علمانيّتها.
 
حين قرّر قسطنطين الكبير توسيع بيزنطية القديمة وبناء مدينة جديدة تحمل اسمه، كان يتصرّف مثل القياصرة الآخرين. فالإمبراطوريّة الرومانيّة تعجّ بالمدن المسمّاة على اسم الأباطرة وزوجاتهم. ولكنّ قدر القسطنطينيّة كان أن تصبح العاصمة الجديدة بعدما غزا الجرمان الجزء الغربيّ من المملكة المترامية.
 
لقد وسم «الفتح» الجرمانيّ القسطنطينيّة بميسمه، فأضحت هذه المدينة «رومية الجديدة» بعد سقوط العاصمة القديمة في قبضة برابرة الغرب، وحين لم يعد هناك ما يذكّر بالانتماء الرومانيّ على ضفاف التيبر سوى مؤسّسة البابويّة.
 
أطلق أهل القسطنطينيّة اسم «رومية الجديدة» على مدينتهم منذ القرن الخامس تيمّناً بالعاصمة القديمة. وهم كانوا أحياناً ينسون النعت ويسمّون القسطنطينيّة «رومية»، رومية فحسب. ولئن اتّصفت العاصمة الجديدة بطابع مسيحيّ تكرّس عبر إعلان القيصر ثيوذوسيوس المسيحيّة ديناً رسميّاً للمملكة.
 
إلاّ أنّ الوثنيّة ظلّت مغروسةً طوال قرون في ذاكرة مدينة البوسفور وفي عادات أهلها، حتّى إنّ القسطنطينيّة أضحت بين القرنين السادس والثالث عشر وريثة روما في الإدارة ووريثة أثينا في الثقافة. ولم يتغيّر هذا إلاّ حين بدأ نجم المدينة يأفل لمّا فتحها الفرنجة عنوةً العام ١٢٠٤ رغم اعتراض البابا الرومانيّ وعاثوا فيها فساداً، وكانت قد ظلّت عصيّةً على العرب المسلمين ستّة قرون.