مؤمن سلاّم
من مسرحيات بديع خيري الشهيرة رواية “حسن ومرقص وكوهين” والتي عرضت بدار الأوبرا بالقاهرة لأول مرة في 16 نوفمبر سنة 1941 حيث استغرق عرضها شهرين كاملين. ليأتي بعد ذلك بعشرات السنين وتحديدا في عام 2008 فيلم يوسف معاطي “حسن ومرقص” بطولة الفنانين عادل إمام وعمر الشريف، ما ولد عبارة ضاحكة ولكنه ضحك كالبكاء، “كنا حسن ومرقص وكوهين، وبقينا حسن ومرقص، وشكلها حنبقى حسن بس” وفي إحدى الندوات التي كنا نناقش فيها التسامح وقبول الأخر قيلت هذه العبارة، فعلق أحد الحضور ساخرا بمرارة ظاهرة “وحتى حسن حنقتله لو طلع شيعي” في إشارة إلى سحل وقتل الشيخ حسن شحاتة بأبو النمرس.

المتأمل في هذه العبارة المبكية سيجد أنها تلخص رحلة الأمة المصرية مع التعايش وقبول الأخر وكيف انتقلنا من أمة تقبل بعضها بعض برغم الاختلاف وتجعل منه اختلاف تنوع أثرى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية والثقافية في مصر، لنتحول بعد ذلك إلى أمة متعصبة متطرفة تحمل داخلها كل عوامل الانفجار وتهدد السلام الاجتماعي للأمة المصرية، بعد أن تم التلاعب بهويتنا الوطنية بفعل الطغاة من جهة والأصولية الدينية من جهة أخرى.

فعندما كتب بديع خيري مسرحيته “حسن ومرقص وكوهين” التي تصور العلاقة الحميمة بين الثلاث شركاء المسلم والمسيحي واليهودي وتأمرهم معا على المستخدم بمحلهم “عباس”، كانت مصر مصرية، وكنا الأمة المصرية، حتى من هاجر إلى مصر من شوام ومغاربة وأوروبيين استقبلتهم الأمة المصرية ومصرتهم ليساهموا في إثراء الهوية المصرية وتطويرها لكى نضع أقدامنا على أول طريق التنوير والحداثة. وكان التسامح وقبول الأخر كأحد أهم قيم الحداثة يتجلى في أبهى صورة في مصر المحروسة، لنرى مسلمين ومسيحيين ويهود وبهائيين ولا دينيين، من أصول مصرية وسودانية وشامية ومغربية وأوروبية، يتصدرون المشهد المصري، فلا تجد مجال من المجالات يخلوا من أي من هذه المكونات المصرية، فقد كانوا مواطنين مصريين أولا وقبل كل شيء، أما الانتماء العرقي أو الديني فقد كان يأتي في المرتبة التالية.

في أعقاب انقلاب يوليو 1952 حدث الهجوم الناصري على الهوية المصرية وبدأ في فرض الهوية العربية على مصر حتى وصل الذروة بمحو اسم مصر لتصبح الجمهورية العربية المتحدة. في هذه المرحلة بدأ مصر تفقد قيمها مع فقد هويتها، فتم تهجير اليهود وغير المصريين وتم إغلاق المعابد البهائية وسحب الاعتراف بها وتم إلغاء مقابر اللا دينيين في الإسكندرية والتي كانت تعرف بمقابر الإنسانيين وتحويلها إلى مقابر تتبع إحدى الجمعيات المسيحية، ولا أدري لماذا لم تتحول إلى مقابر للمسلمين؟ هل كان هذا تعبير عن رؤية الدولة للمسيحيين؟ في هذه المرحلة أصبحنا حسن ومرقص فقط، وحتى مرقص فقد الكثير من حقوق المواطنة التي كان يتمتع بها قبل الانقلاب.

وفي أعقاب هزيمة يونيو 1967، بدا الزحف الإسلامي المقدس على الهوية المصرية، لتتحول مصر في عهد السادات إلى الهوية الإسلامية، فنحنا لسنا عربا ولا مصريين، ولكن مسلمين، ورئيس مصر رئيس مسلم لدولة مسلمة كما قال عن نفسه السادات، صاحب لقب الرئيس المؤمن ورئيس دولة العلم والإيمان. وهكذا فقد مرقص المزيد من حقوقه وتحولت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين إلى علاقة متوترة تنفجر في صورة عنف طائفي من وقت لأخر ولأتفه الأسباب وأحقرها في بعض الأحيان مثل ارتياد شباب مسيحي لبيت دعارة تعمل به مسلمات. هذه الفترة التي أصبح على المسيحي أن يحمد الله ويصلي له كل يوم لأن المسلمين لم يفرضوا علية الجزية، بل وتركوه يعيش.

ثم جاء مبارك ولم يتعظ من مصير السادات فاستمر في اللعبة القذرة بل ويزيد عليها عندما ارتمى في أحضان آل سعود طمعاً في أموالهم، فسلم لهم العقول المصرية يغسلونها باستخدام ذيولهم في مصر “السلفيين” وبدأنا نتسلف، وننتقل من حالة الإسلام السياسي إلى حالة الإسلام السلفي والجهادي، وبالتالي لم يعد كافياً أن تكون رجل مسلم لتحصل على حق المواطنة فلابد أيضا أن تكون سلفياً وهابياً حنبلياً. ولم يعد “حسن” آمناً باسمه، فاسمه أصبح يثير الشك، فقد يكون شيعياً رافضياً باطنياً، أخطر على الإسلام من اليهود والنصاري ما يستوجب قتله وحرقه.

هكذا فقدت مصر تسامحها بعد أن فقدت هويتها المصرية الجامعة، ولن تستعيد مصر هذا التسامح إلا بعد أن تستعيد هويتها المصرية التي تحتضن كل من يحمل الجنسية المصرية، بغض النظر عن عقيدته أو جنسه أو أصله أو لونه أو فكره أو أيديولوجيته. وهذا لن يتم إلا في ظل دولة ديمقراطية حديثة.

23/12/2015