القمص اثناسيوس فهمي جورج
اليوم ٢٥ / ٧ / ٢٠٢٠م، في ذكرى نياحتك العشرين ننظر إلى أيقونة سيرتك التي بها كملت أعمال التوبة وصرت أنت صلاة ولجاجة وهذيذ وتسبيح وسجدات ومطانوات. قدمت بها قدوتك لتسبق عظاتك وكلماتك، فكانت كلماتك - بالرغم من قلتها- نافذة كالسهام مخترقة للقلوب.
 
في ذكراك نتأمل سيرتك التي أبرزت لنا بها جمال حياة المسيح، التي عشتها بطهرك وزَينت بها أوساط كنيستك، مقدمًا لنا بمثلك الحي والنادر صورة طقس التائبين الأسكيميين، صامدًا أمام حروب الشياطين غير المنظورة، ناظرًا بثقة إلى ما لا يرى. متقويًّا بأفضال المسيح إلهنا. لم نرك قط عابسًا أو عاثبًا، بل مدققًا في كلماتك وأفعالك وتنقلاتك، لأنك مشغولاً بمَن أقامك وبما أقامك عليه "خادمًا وراهبًا وراعيًّا وأسقفًا وشهيدًا" بكلّ ما تحمله الكلمة، عطوفًا على المساكين ومفتقدًا لشعبك متكلًا على الله كي يحفظك ويحفظهم في كفه، طالبًا منه بلجاجة كي يعتني بهم ويرعاهم ويتعهدهم بنعمته، لأجل خلاص نفوسهم ولوراثة ملكوت القديسين.
 
إنك يا أبانا لم تهنأ براحة ولا بمسامرات الأحاديث ولا بالمقتنيات، لأن عينك كانت مشغولة بالآتي، كمسافر حمله خفيف، وكعابر يزن بالتدقيق مسيرة فراسخ الطريق، مرتحلًا نحو السفر والعبور والغربة والانتقال والارتحال المستمر. بركبك المنحنية في خفاء المحابس، وبدموعك الحارة، التي قادتك دائمًا للتدبير الصالح، وإلى ذاكرتك الكتابية الموسوعية؛ وتأسيسك للجنة التحرير والنشر بسيناء، وقد تميزت بسرد القصص الخلاصية في عظاتك الذهبية ، وباركت السامعين من فمك الطاهر الذي لم يكف عن الحديث مع الله .
 
لقد خبرت عمل الله وتدبير مشورته التي كشفها لك الله ولكلّ السائرين في الطريق... متسربلا بالتواضع مثل الثوب بقوة الباركليت الساكن فيك ، فتصاغرت عن علمك حتّى لا تكرم كشيخ خبير، وتصاغرت عن مواهبك حتّى لا تحسب كقديس عليم، وقد فتح لك المسيح إلهنا كنوز الطريق التي دشنها بدمه الإلهي وأقام فيها صليبه وسرّ قبره، لتعبر عليها وتجوزها وترتاح عليها وفيها.
 
لقد سلمت ذاتك للمحقرة تارة وللإهانات تارة أخرى، وصرت وكأنك من المطرودين عابرًا وادي الشقاء حتّى الرمق الأخير، ومتجولاً بلا مأوى ولا أبهة سلطان... عينك دائمًا مغمضة، وهي مرفوعة كما شاهدناها... ناظره على الدوام لدسم مجد عرس الحمل ودليلاً لخارطة الطريق، بنداءك المستمر على سحابة الشهود " ياست يا عذرا – يا مارجرجس – يا أبو سيفين" مستنجدًابالقوة المعزية التي ارتاعت منها الشياطين والمعاندين .
 
وبالرغم من درجتك الأسقفية، لكنك عشت زاهدًا مسرات الزمان، رافضًا أهواء الأباطيل ومجد الرياسات والتجاذيات، محبا للتعب ومشتهيا لصنع مجد الله ، سائرًا خارج السياجات تجلس في عشش الفقراء وخيام عمال التراحيل وباعة البازرات والوافدين إلى سيناء بحثًا عن لقمة العيش والرزق في بلاد (القنطرة - العريش - رأس سدر - المساعيد - شرم الشيخ - الطور - نويبع - طابا). وانت المكني عنك في الانجيل ( اقامةالله علي عشر مدن ) في بذل الرعاية وفي الرحمة والمخافة الالهية .
 
كنت أيضًا قارئًا للأفكار وقد حباك الله بموهبة الاستبصار (النبوة) والشفافية، مما جعلك مرهوبًا ومهابًا عند الناس، الذين تأكدوا بأنك عامل مع الله وأن خدمتك إلهية ومؤسسة على أساس خبرة الإنجيل ودم المسيح الثمين. برهانك روحاني ومقاصدك سماوية، وصلواتك وصوتك الشجي بلغ اعتاب السماء، فما قلته وما فعلته تخطى العقول والمنظورات، لأنك تقدست ولأنك مضيت وراء سيدك فقط ولم تبحث لك عن ظل آخر، حتّى قيل عنك بأنك (دير متنقل)، وبأنك (كوكب برية سيناء)، إلى أن نزفت حياتك دمًا على الطرقات التي سبقت ودشنتها بتعبك ذهابًا وآيابًا، قبل تقدمه دمك.
 
فالله الذي دعاك بنعمته كمل جهاد شهادتك البيضاء ضمن الواقفين في صفوف المفديين في انتظار الذبح، فأخذك عنده وأنت على السلم السرّي لتشهد له أيضًا شهادة حمراء بالدم.
 
ولأن المثيل يستريح إلى مثيله فقد احتفظت بعلاقة خاصة جدًا بأمنا إيريني رئيسة دير أبي سيفين للراهبات التي حضرت وقت خروج نفسك من جسدك، ورافق جسدك الراقد، علي نفس الطائرة الخاصة قداسة البابا البطريرك أنبا شنوده الثالث ومعه ٢٤ من مطارنة وأساقفة الكنيسة القبطية الذين حضروا لتجنيزك ووداعك من القاهرة إلى العريش حيث موطن جهادك و دفنوك هناك .
 
فليكن ذكرك إلى الأبد لأنك حي عند إله الأحياء ، حيث الصديقون يفرحون ويتنعمون ، وحيث مجد إلهنا وحيث لا تقف أمامه خليقة صامتة.