إعداد وتقديم الباحث - عصام عاشور 
استكمل الباحث عصام عاشور، الحديث عن تاريخ الحركة الوطنية المصرية، وفى الحلقة الحادية عشر تحدث عن الإنذار الثانى لكرومر والذى ختمه بالقول "أنه فى حالة عدم سرعة الإستجابة فإنهم سيضعون الجيش المصرى تحت قيادة جيش الإحتلال".
 
وقال عاشور، خلال برنامجه "الحكاء.. شذرات من تاريخنا" والمذاع على شاشة الأقباط متحدون، أرسل عباس حلمي الثاني وهو لازال فى طريقه إلى القاهرة برقية لكرومر يعرب فيها عن دهشته خاصةً وأنه أعرب للسردار الإنجليزى عن رضائه التام وقديره للقوات والضباط وأنه يكرر شكره لهم والثناء عليهم.
 
وتابع: إعتقد عباس أن المسألة قد حسمت بهذه البرقية، وعند وصول عباس إلى الفيوم وجد إنذار ثالث أشد عنفاً كما يطلب كرومر نشر الإنذار فى كل الصحف العربية والأفرنجية كما يطلب عزل محمد ماهر، على يتم كل ذلك قبل أن يصل الخديوى إلى القاهرة .. وإلا سيمنع من دخولها أى عباس.
 
وهنا أدرك عباس أن كرومر قرر أن يسقط هيبته ومكانته لدى الشعب والجيش معاً، لذا فقد رفض عباس كل ذلك مهما يكن الثمن الذى سيدفعه. 
 
وصل رئيس الوزراء إلى الفيوم وأبلغ عباس وهو ينتفض مذعوراً أن اللورد كرومر صار مثل الثور الهائج وأنه يص على طلباته فوراً محاولاً إقناعه بقبول طلبات كرومر، ولما أخبر عباس رئيس الوراء أنه لايمكن قبول ذلك وأنه سيتحرك إلى القاهرة لمواجة كرومر وبحث الأمر معه.
 
أجابه رئيس الوزراء أن الأوامر صريحة لديه إما أن يقبل الطلبات ويوقع عليها أو لن يدخل القاهرة وأن المهلة لم يتبقى منها سوى ساعات قليلة يعلن بعدها قرار الخلع والمنع من دخول القاهرة ووضع الجيش بأكمله تحت سلطة جيش الإحتلال.
 
وزاد رئيس الوراء فى إشتعال الموقف أن قال لعباس أنه إتصل بقناصل الدول الكبرى وعلى رأسهم فرنسا وروسيا وكذلك ممثل السلطان وأنهم أجمعوا على أنه لا يمكنهم التدخل ولابد من من قبول طلبات كرومر (وهو الذى ثبت بعد ذلك أنه لم يحدث)وبالتالى عاد رئيس الوراء من الفيوم .
 
قبل نهاية مدة الإنذار بدقائق لم يجد عباس أمامه إلا أن يوقع على برقية وضعها كرومر وأرسلها إليه تقول : (قبل أن أترك الفيوم وأعود للقاهرة أود أن أكرر ما سبق أن قولته) 
 
والذى كان هو إظهار إعجاب عباس بالجيش المصرى عند زيارته للحدود كذلك سعادته لما وجد عليه القوات المسلحة سواء فى نظامها أو كفائتها وأيضاً تهنئة الضباط الذين يتولون القيادة مصريين وبريطانيين على السواء والإشادة خاصةً لما يقوم به الضباط البريطانيين للنهوض بالجيش المصرى والطلب من السردار إبلاغ جميع الضباط والجنود بذلك.
 
وبالتالى عاد رئيس الوزراء إلى سيده الحقيقى (كرومر) حاملاً النصر، لكن دائماً ما تحمل الأيام فى طياتها من الأحداث ما يطيب ويضمد الجراح وكما إعتادت الحركة الوطنية المصرية  أنه دائماً ما يخرج النور من قلب الظلمة.
 
فقد تسلل إلى القصر فى إحدى الليالى بعد عودة عباس ضابط مصرى يحمل رسالة من زملائه لعباس تؤكد له ولائهم له وأنهم لما وصل إليه الحال من أن الجيش الإنجليزى قد ذهب بسطوة الضباط المصريين وأهانهم وأضعف شوكتهم وبالتالى لم يعد لهم حول أو طول فى جيشهم وصار الضباط المصريين عبارة عن آلات تتحرك بإشارة من الضباط الإنجليز وأنهم يحالون إلى المحاكم العسكرية لأى شئ أو عبارة كما أن الإنجليز بذلوا كل جهدهم فى إيجاد الشقاق والفتن بين الضباط المصريين بل وجاهروهم بالتعصب والتحيز .. لذك فقد كون الضباط المصريين جمعية سرية تحت إسم (جمعية المودة) وهى تقوم على تنظيم دقيق وقسم يؤديه العضو وهو الفداء فى سبيل الوطن والولاء للقائد الأعلى سمو خديوينا الأعظم.
 
وسلم الضابط العرضة لعباس وهى تحمل أعضاء التنظيم بأسمائهم ورتبهم وتوقيعاتهم. فرح عباس وسعد بالرسالة وتم الإتفاق على شفرة خاصة لتبادل الرسائل.
 
وطلب عباس أن ترسل الجمعية تقارير منتظمة تكشف عن ما يجرى فى الجيش ومؤامرات الإنجليز داخله. وكانت الجمعية أول من فضح الخطط البريطانية لفرض السيطرة على السودان تحت علم الحكم الثنائى.