كمال زاخر 
حين تناولت واقعة "ترانيم المترو"، كنت محدداً واخترت كلماتى بعناية، فلم احسبها تطرفاً ولم اتوقف عند ظاهرها المبهج، عند شباب فريق الترانيم وعند شباب العالم الافتراضى، ويبدو اننى لم اكن بعيداً عن لفحات المثل الشعبى "كتر الحزن يعلم البكا"، فقد اجتزت بامتداد عقود، موجات متلاحقة من حشد "الإسلام السياسى العتيد" لكل مظاهر التدين والدفع بها إلى مفاصل الحياة العامة، حتى صارت عند الأجيال التى لم تعش مصر السوية وكأنها من الثوابت التى لا تستقيم الحياة بدونها.
 
كنت، ومازلت، أخشى ان تكون الواقعة، رغم فرادتها وملابساتها، طوق نجاة لتيار ينحسر أو كاد، يتعلق به ليواصل سباحته فى مياه صراع السيطرة على ضفاف مجرى النهر، ولعل هذا يفسر مسارعة صقورهم بالإشادة بهذه الواقعة، ليس فقط لخلق موازنة متوهمة، ومستحيلة، بل للتأكيد على ان الدولة الدينية صارت مطلب الفرقاء، وسقطت من حساباتهم الأثقال الشعبوية واختلاف أدوات ومنهج التصعيد بحسب معطيات ومنهج هؤلاء وأولئك. وان كانت مياه كثيرة جرت فى النهر جعلت العنف والمصادمة خيارات الكل.
 
وفى تتبعى لدوائر المياه التى تولدت من القاء سطورى فى بركة تبدو ساكنة، انتبهت لمن ذهبوا بها - وهم يحتلون الصفوف الداعمة للصقور وربما المنظرة والمبررة لها - ذهبوا بها الى اعتبارها واحدة من علامات المواطنة ومدنية الدولة!!، فها هم شباب أقباط يرنمون ويبتهجون فى الشارع ولا يعترضهم أحد، او يتعرض لهم، فى اغفال متعمد لوقت حدوثها ومكانها، بحسب ما تشى به قراءة الفيديو.
 
فإذا كان ذلك كذلك، بحسب المصطلح الدارج فى المرافعات التى اعتدناها فى افلام الأبيض واسود، فلنمد الخيط على استقامته ونقبل ببقية اشكال اظهار الهوية الدينية السائدة فى مفاصل الشارع ودواوين الموظفين وطرقات المصالح العامة حتى الى طرقات مطاراتنا الدولية، وجدران ومكاتب الموظفين العمومين ورجال الادارة حتى الى الكيانات الحيادية أو التى ينبغى أن تكون حيادية.
 
اللافت أن من يروجون لهذا المنطق يملكون مواقع توفر لهم متابعات ومشاهدات مؤثرة تثق فيها، ويبلعون طعومها، وقد ضربوا اكثر من عصفور برمية واحدة؛ دعدغوا مشاعر قطاع صامت فى أغلبه، ابتهج بأن واحدة من أموره وجدت مكاناً فى ساحات عامة، وواصلوا تشويه الفكر العلمانى، وأرضوا من يتابعونهم ويقيمون ادائهم ويمدون اجل بقائهم فى مواقعهم الأثيرة والوثيرة، وامدوا المتطرفين بقبلة الحياة. وزيفوا مفهوم المواطنة والدولة المدنية، التى فى حقيقتها لا تعادى الحريات ولا الخصوصية ولا الدين، وتعلى مفهوم سيادة القانون، وتحمى العام من تغول الخاص