حمدى رزق

 «فصيلة الدم»  فى بطاقة الرقم القومى من الضرورات المستوجبة، إنقاذاً للأرواح فى حالة الحوادث، فما ضرورة إثبات الديانة فى البطاقة؟!

أنتظر إجابة جد مقنعة، دون غمغمات غير مفهومة تغمم الأعين عن تمييز دينى فج ومستدام فى أوراق رسمية.
 
خانة الديانة فى بطاقة الرقم القومى عنوان بغيض لمصر القديمة، الجمهورية الجديدة يجب أن تُؤسس على قواعد جديدة، لا بد أن نتطهر من سوءات التمييز الدينى بكل صوره وأشكاله وأوراقه، جمهورية تؤسس على المواطنة الكاملة والجميع فحسب، لا فضل لمواطن على مواطن إلا بالعمل الوطنى الصالح.
 
موروثات العهود الماضية لا تحكم أوراق المستقبل، خانة الديانة من الموروثات وتعبر عن توجه تمييزى تجاوزه الزمن، ماذا يفيد تحرير ديانة (مسلم أو مسيحى) فى البطاقة.. دون مبرر سوى التمييز؟!
 
للأسف هذه الخانة تؤسس لما هو أفدح، تسجل تمييزاً بغيضاً، المجتمع يعانى استقطاباً حاداً حتى على مستوى الشارع، الأسماء مثلاً، هناك نزوع طائفى إلى الأسماء ذات الصبغة الدينية، تقريباً اختفت المشتركات من الأسماء مريم ومكرم ومجدى.. وغيرها توارت، صارت الأسماء ما بين حذيفة وأبنوب، والشيماء وكرستين !!
 
حتى أسماء الصيدليات، توارت عناوين الهلال والأمانة والمحبة.. صارت لصاحبها فلان الفلانى.. ومن الاسم تظهر الديانة، وهذا حصاد مكر الإخوان السَّيِئُ فى عامهم الأسود فى نقابة الصيادلة وهلم جرا..
 
النزوع التمييزى فى الحالة المصرية جد خطير، ويتخذ أشكالاً قبيحة، ويطل بوجوه كابية، ويستوجب علاجه أولاً فى المحررات الرسمية، وتجربة الدكتور المستنير «جابر نصار» فى حذف خانة الديانة من محررات جامعة القاهرة (وقت أن كان يترأسها) جديرة بالتوقف والتبين.
 
توقفا أمام شجاعته فى مواجهة عاصفة الرفض المجتمعى، الرفض جاء من بعض النخب المخاتلة، وتبيناً لمصير المبادرة المحترمة، هل لا تزال سارية؟!
 
أخشى إجهاضاً ممنهجاً لكل مبادرات المواطنة، وأد المبادرات مثل وأد البنات، يستوجب تحريمه وتجريمه بالقانون.
 
المشكل هو الرفض للرفض، هل يفرق مع المواطن أن تحوى بطاقته خانة ديانته، ربما حتى لا يلاحظها، ولا يطلبها، ولا تشغل باله، ولكن مجرد التفكير فى إزالة هذه الزائدة الدودية من الجسد.. مجرد التفكير فى البراح، يفزع فى وجهك كمن لدغه عقرب، وكأنك تمس معتقده، تناقشه، لن تحصد شيئاً، هذا ما وجدنا عليه آباءنا..ونَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا!
 
المستشار القانونى المحترم « نجيب جبرائيل» مشكور، تقدم بدعوى قضائية، مطالبًا بإلزام وزير الداخلية ومساعده لقطاع الأحوال المدنية بصفتيهما، بإلغاء خانة الديانة من بطاقة الرقم القومى (الهوية)، يؤجر على مسعاه وطنياً وفى ذلك فليتنافس الوطنيون.
 
مرت أيام وقبلها أسابيع وشهور وسنوات، يجدد الدعوى دون جديد يذكر، لم يتقدم محام مسلم تضامناً مع المستشار جبرائيل، وكأنه مطلب قبطى وليس مطلباً وطنياً.
 
قد يقول قائل، لمَ تحيون الْمَوْتَىٰ، هذه خانة ميتة لا تثير صخباً، ونراها ( نحن ) خانة حية تسعى تمييزاً بين الناس، إذا كانت ميتة فلتدفن، تحذف، ولكنها كائنة كامنة متاحة للاستخدام الطائفى وقت اللزوم، لزوم ما يلزم أصحاب التوجهات الطائفية، ورقة فى أياد ممسوسة بالتمييز الدينى.
 
«مفوضية مناهضة التمييز» التى قررها دستور ٢٠١٤، والمسكوت عنها برلمانياً حتى ساعته، لم تكن لتصمت على هذا التمييز فى الأوراق الثبوتية، ولكن صمت المجتمع المدنى والجمعيات الحقوقية، وعلى رأسها المجلس القومى لحقوق الإنسان جد محير.. وغريب؟!
 
لماذا هذا الصمت الحقوقى على خانة الديانة، هذه خانة تجاوزها الزمن، وتجاوزتها الجمهورية الجديدة، وفى ظل مناخ مواتٍ يعنى بالمواطنة، وإرادة سياسية تجسدها فى خطاب موثق يعنى بحرية العبادة، وحرية المعتقد، وفى خطابات رئاسية علنية، وقرارات واقعية، منها تطبيقات قانون دور العبادة وتوفيق أوضاع الكنائس وغيرها كثير من موجبات دولة المواطنة.
 
استمرارية خانة الديانة أخشى أنها خيانة لحالة وطنية تؤسس لدولة المواطنة، الجمهورية الجديدة تستحق أوراقاً ثبوتية جديدة تخلو من خانة الديانة، الجمهورية الجديدة تعنى بفكر وخطاب جديد، والمواطنة الكاملة، ومنع التمييز الدينى والإثنى والجهوى والعرقى، جد من مفرداتها المعتبرة وطنياً.
نقلا عن الوفد