هاني صبري - المحامي
 قتلت مارينا صلاح بسبب الإهمال الطبي وهى شابة في مقتبل العمر ، ذهبت لمستشفي عيون شهيرة بمنطقة مصر الجديدة لعمل أشعة بالصبغة على العين.. المستشفى لم تقم بأية اختبارات حساسية لها قبل إجراء الإشعة، وتوفيت نتيجة الإهمال الطبي الجسيم ، ناهيك عن إن المستشفي ليس فيها غرفة عناية مركزة واحدة للمرضي قمة الإهمال والعبث بحياة المواطنين ، وتركت طفلها الصغير آدم ، وزوجها وأسرة مكلومة علي فراقها.
 
فعلى الرغم من التطور الكبير الذي شهدته المستشفيات وأساليب العلاج، فإن الأخطاء الطبية لا تزال تقع، وهناك حالات من الإهمال الطبي عديدة ويجب مواجهة هذا الأمر بكل حزم وفقاً للقانون.
 
حيث تعتبر جريمة الإهمال الطبى من الجرائم الخطيرة، التى تواجه مجتمعنا ، بسبب وجود أخطاء طبية أثناء عمل الطبيب ، الأمر الذى من الممكن أن يتسبب فى إصابة المريض بعاهة مستديمة أو يتسبب هذا الخطأ في أن يودي بحياة المريض.
 
أن الأخطاء الطبية، تخضع للقواعد العامة في المسؤولية، متى وقع الخطأ الطبي الذي يتمثل في إنحراف الطبيب عن الأصول العلمية والمهنية في علاج مريضه؛ سواء في صورة إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة للقوانين والأنظمة، فإن هذا الخطأ يُرتب مسؤولية الطبيب الجنائية والمدنية نتيجة الضرر الذي ألحقه بالمريض ، وأن الخطأ في الجرائم غير العمدية هو الركن المميز لهذه الجرائم. 
 
فالمسؤولية الطبية تقوم سواء أكان خطأ الطبيب جسيماً أم يسيراً. وإن أي درجة من درجات الخطأ تكفي لقيام المسؤولية الطبية، والمهم هو أن يثبت هذا الخطأ بشكل يقيني، فالطبيب يسأل عن أخطائه ولو كانت يسيرة فالخطأ اليسير قد يؤدي إلى نتائج فادحة والخطأ الجسيم قد يتم تدارك نتائجه ، فيكفي لقيام المسؤولية الطبية بوقوع الخطأ الطبي أياً كانت درجته، فإن جسامة الخطأ تكون معتبرة في تحديد حجم المسؤولية المترتبة على الطبيب؛ فقد يؤدي خطأ الطبيب إلى وقوع جريمة إيذاء غير مقصود أو إيذاء مفضي إلى عاهة مستديمة أو جريمة قتل غير مقصود، وقد تبلغ الجسامة حد الجريمة المقصودة.
إنه من المقرر وفقاً لما استقرت عليه أحكام محكمة النقض أن إباحة عمل الطبيب مشروطة بأن يكون ما يجريه مطابقاً للأصول العلمية المقررة، فإذا فرط في اتباع هذه الأصول أو خالفها حقت عليه المسؤولية الجنائية والمدنية متى توفر الضرر، بحسب تعمده الفعل ونتيجته أو تقصيره وعدم تحرزه في أداء عمله، وأياً كانت درجة جسامة هذا الخطأ.
 
وأن العلاقة بين الطبيب والمريض هي علاقة عقدية، والمسؤولية عقدية تحتم على الطبيب بذل العناية اليقظة التي تمليها أصول المهنة، وقد يصل التزام الطبيب إلى التزام بتحقيق النتيجة المتفق عليها مع المريض، وليس فقط بذل العناية اليقظة، وذلك في بعض أنواع الجراحات منها التجميلية.
 
وإذا كان الطبيب عاملاً في مستشفى فإن المسؤولية المدنية والحالة تلك تكون تضامنية تجاه الطبيب والمستشفى، ما يبرز أهمية التأمين في مجال الأخطاء الطبية والتعويض عن الضرر، ولكن المسؤولية الجنائية تبقى قائمة على الطبيب، لأن الخطأ الطبي يرتب مسؤولية جنائية ومدنية.
 
وتحديد معيار الخطأ الطبي، يختلف بين الطبيب العام والطبيب الأخصائي، حيث يضاف إلى الأخير  معيار شخصي يتمثل في مستواه المهني، للحكم على مسلكه كأخصائي، ويقاس على أقرانه من ذوي الاختصاص، إلى جانب المعيار الموضوعي المتمثل في اتباع الأصول العلمية والمهنية المستقرة.
 
 إن واجب الطبيب في بذل العناية مناطه ما يقدمه طبيب يقظ، من أواسط زملائه علماً ودراية، في الظروف المحيطة به أثناء ممارسة عمله، مع مراعاة تقاليد المهنة والأصول العلمية الثابتة، وإنَّ انحراف الطبيب عن أداء واجبه وإخلاله بالتزامه المحدد يعد خطأ يستوجب مسؤوليته عن الضرر الذي يلحق بالمريض ، ما دام هذا الخطأ قد تداخل بما يؤدي إلى ارتباطه بالضرر ارتباط السبب بالمسبب وتوافر علاقة السببية بين الخطأ والضرر والنتيجة.
وقد تصدى قانون العقوبات لجريمة الإهمال الطبى.
 
حيث نصت المادة 244 من قانون العقوبات ، على أنه من تسبب خطأ في جرح شخص أو إيذائه بأن كان ذلك ناشئًا عن إهماله أو رعونته أو عدم احترازه أو عدم مراعاته للقوانين والقرارات واللوائح والأنظمة يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تجاوز مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
 
وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنتين وغرامة لا تجاوز ثلاثمائة جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين إذا نشأ عن الإصابة عاهة مستديمة أو إذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال الجاني إخلالًا جسيمًا بما تفرضه عليه أصول وظيفته أو مهنته أو حرفته أو كان متعاطيًا مسكرًا أو مخدرًا عند ارتكابه الخطأ الذي نجم عنه الحادث أو نكل وقت الحادث عن مساعدة من وقعت عليه الجريمة أو عن طلب المساعدة له مع تمكنه من ذلك.
 
وتكون العقوبة الحبس إذا نشأ عن الجريمة إصابة أكثر من ثلاثة أشخاص، فإذا توافر ظرف آخر من الظروف الواردة في الفقرة السابقة تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنين.
 
جدير بالذكر أننا في حاجة ماسه إلى تنظيم قانوني للمسؤولية الطبية، يعالج مختلف جوانبها الموضوعية والإجرائية؛ وبخاصة طبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض، ومفهوم الخطأ الطبي، ومعياره، ومراحله في التطبيق من حيث التشخيص والعلاج والجراحة، والقواعد الخاصة بإثبات الخطأ الطبي، والتأمين على المسؤولية الطبية، وسجل الأخطاء الطبية  ..إلخ.
 
حيث إن غياب التشريع الخاص بالمسؤولية الطبية، من شأنه أن يفتح المجال للكثير من الاجتهاد، وإنْ شئت قُل العشوائية واللامبالاة ، وقتل الأبرياء والدوران في حلقات مفرغة، وقد نصبح أمام بيئة خصبة لاستمرار الأخطاء الطيبة  في ظل غياب المحاسبة.
لذلك يجب معاقبة كل من تسبب في قتل مارينا ، ومعاقبة كل من تسول له نفسه العبث بحياة المرضي الأبرياء .
كما نناشد مجلس النواب إستصدار مشروع قانون للمسؤولية الطبية للمحافظة علي حياة المواطنين وحمايتهم من الأخطاء الطيبة.