إسحق إبراهيم 
تنتهي كثير من أحداث التوترات والاعتداءات الطائفية بما يعرف بجلسات الصلح العرفي، وهي أقرب للجنة تحكيم تشكَّل عقب وقوع نزاع، وتضم محكمين ورجال دين من أصحاب النفوذ، وتقوم اللجنة بدراسة أدوار الأطراف المختلفة، ثم تصدر حكمها الملزم. لا تتضمن أحكامها الحبس أو العقوبات السالبة للحرية، في حين تشمل الاعتذار وتوقيع غرامات مالية أو التهجير .
 
وطالما انتقد الأقباط وقطاعات أخرى من المصريين هذه الجلسات، باعتبارها عدوان على حق المواطنين في الحصول على العدالة أمام القضاء الطبيعي، بالإضافة أنها تكرس لما يعرف بقضاء "توزان القوى" حيث تؤدي الحاجة الملحة للتهدئة في انتهاك حقوق الأطراف الأضعف. ولذلك ينظر إليها بأنها أحد أهم أسباب تكرار التوترات الطائفية بما ترسخه من غياب للعدالة ودعم للجناة، وعدم جبر الضرر للضحايا.
 
كان أحدث هذه الجلسات ما شهدته قرية "سبك الأحد" بمركز أشمون في محافظة المنوفية، على خلفية صفع صيدلاني يدعى علي أبو سعدة، لمسيحية هي نيفين صبحي مرتين على وجهها داخل صيدليته، لأنها ترتدي ما اعتبره "ملابس غير محتشمة" في شهر رمضان "إيه اللي انتي عاملاه في نفسك، ازاي سايبة شعرك ولابسه نص كم، انتي مش عارفة إننا في رمضان"، بحسب إفادة منها.
 
الاعتداء الذي تعرضت له نيفين، في الغالب، لن يذهب لأروقة المحاكم، إذ انتهى بجلسة صلح عرفية مع المعتدي بحضور نائب برلماني وعمدة القرية ومسؤول أمني وبعض القيادات الدينية، قدم الصيدلاني فيها اعتذرًا، وغرمته الجلسة العرفية مئة ألف جنيه وضعت في حوزة الكاهن المسؤول عن القرية، وربما ستُرَد له بعد فترة من الزمن. نصَّ الاتفاق العرفي كذلك على تنازل نيفين عن المحضر الذي حررته بالواقعة، وأظهرت الصورة التي التقطت للتعبير عن "النهاية السعيدة" للواقعة المجني عليها، وهي منكَّسة الرأس في حالة من القهر والانكسار، بينما وقف المعتدي والمشاركون إلى جوارها، وارتسمت على وجوههم ملامح الانتصار.
للوهلة الأولى، تبدو جلسات الصلح العرفي متشابهة مع القضاء العرفي المطبّّق في بعض المحافظات الحدودية والجنوبية، التي تقطنها أغلبية من البدو، أو تلك التي يسودها نمط علاقات قَبلي أو عشائري، مثل شمال وجنوب سيناء، ومطروح، والوادي الجديد، وقنا، باعتبارهما شكلين من التقاضي خارج السياق القانوني.
 
ولكن القضاء العرفي في هذه المحافظات يعد واحدًا من أشكال حل الخلافات، حيث جذوره ممتدة تاريخيًّا في مراحل ما قبل الدولة الحديثة ونظامها القضائي والقانوني، معتمدًا على وجود بعض القواعد العرفية التي تراكمت عبر الزمن، بحيث شكَّلت عرفًا سائدًا داخل تلك المجتمعات، مهمته التصدي للنزاعات التي تقع بين أشخاص أو عائلات وبمضي الزمن اكتسبت هذه الأعراف قوّة إلزامية.
 
لا قواعد
ساهمت الجلسات العرفية التي تطبَّق في النزاعات الطائفية، في تعميق حالة التوتر أكثر مما احتوتها، وتحولت بنفسها إلى مصدر إضافي لانتهاكات متعددة للحقوق الأساسية للمواطنين، حيث لا يوجد شكل ثابت ومعروف لها، وعادة ما تتشكل لجنة تعبر عن موازين القوى على الأرض فور وقوع نزاع أو اعتداء، تتناقش فيما بينها للحكم في المشكلة، كما لا يوجد قانون مكتوب يحكم عمل تلك الجلسات ليحدّ من مساحة التقديرات الشخصية في الأحكام الصادرة عنها، وإن كانت هناك أعراف متوارثة، متفق عليها بين قطاع من المحكِّمين، وتستخدم كقواعد لتحديد مقدار التعويضات بالتناسب مع حجم الأضرار.
 
وتتزايد انتقادات المؤسسات الحقوقية لجلسات الصلح العرفي المنعقدة لاحتواء الاعتداءات الطائفية، كما تثير غضب قطاع كبير من المسيحيين المصريين وغيرهم من أطياف المجتمع، لأنها تشكل افتئاتًا على سيادة الدولة ونظامها القانوني ومبادئ المواطنة وعدم التمييز. على سبيل المثال، أعلن أسقف المنيا الأنبا مكاريوس، في عدة مناسبات رفض جلسات الصلح العرفي، لما تمثله من إهدار للقانون، ومن المفارقات المضحكة، أن مطرانية المنيا رفضت المشاركة في إحدى جلسات الصلح العرفي، فما كان من اللجنة المنظمة إلا استدعاء قسٍّ من أسيوط، لإعطاء انطباع برضا الكنيسة عن الجلسة ونتائجها.
 
ويؤدي استمرار اللجوء لهذه الجلسات، خصوصًا مع رعاية ومشاركة المسؤولين فيها، إلى تقديم رسالة مزدوجة للمسيحيين بأنهم رعايا ومواطنين من الدرجة الثانية، وفي الوقت نفسه رسالة للأطراف المعتدية بأنهم فوق المحاسبة، ومن ثم يمكنهم تكرار هذه الاعتداءات.
 
في دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان في عُرف من؟ دور الجلسات العرفية في النزاعات الطائفية ومسؤولية الدولة وُجد أن القرارات الصادرة عن الجلسات العرفية تختلف تبعًا لسبب المشكلة والتداعيات المترتبة عليها، ولكن جاءت في معظمها غير متطابقة مع القواعد المتعارف عليها في الصلح العرفي المرعية في حالة ما إذا كان أطراف النزاع من نفس الديانة، وكذلك اختلفت القرارات باختلاف ديانة الطرف الأصلي المدان أو المتسبب في المشكلة.
 
وجاءت قرارات الجلسات العرفية في النزاعات الخاصة ببناء وترميم الكنائس في معظمها لإرضاء الجانب الأقوى (المسلمين) على حساب الجانب الضعيف (المسيحيين)، واتخاذ قرارات بغلق المبنى مع الضغط على المسيحيين للتنازل عن حقوقهم القانونية، لا سيما في الحالات التي تم خلالها الاعتداء على الكنيسة أو ممتلكات المسيحيين.