كتب : مدحت بشاي
medhatbeshay9@gmail.com
 
كان الذهاب إلى إعمال فكر التنوير لمواجهة جمود الرؤية الأصولية وهذا التوجه المعادي لحالة السلام الإنساني والعلاقات الطيبة والتعاونية بين البشر، فتنادى أهل التنوير بالمساواة التامة ، وبالنسبية والتعددية في الرؤى والتصورات والمعتقدات. نادى بالوحدة القومية. 
 
وعليه ، اعتمد أهل التنوير العرب على مفاهيم الغرب ونظمه السياسية والاجتماعية القائمة على المساواة والانفتاح على الآخر والتطلع إلى الوحدة الوطنية والقومية وساهموا في نشرها على أسس علمانية. 
 
لقد كتب الطهطاوي على سبيل المثال في «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»: "الغالب على أهل باريس البشاشة في وجوه الغرباء. ومراعاة خاطرهم. ولو اختلف الدين فالتعبد بسائر الأديان مباح عندهم. لا يعارض مسلم في بنائه مسجداً. ولا يهودي في بنائه صومعة ". 
 
ومعلوم أن " التنوير " دعوة لخروج الإنسان من حالة تقصيره في حق نفسه، وهذا القصوركان دومًا بسبب عجزه عن استخدام عقله وانتظار توجيهه من انسان آخر. ويرجع الذنب في هذا القصور الافتقار الى العزم والشجاعة اللذان يحفزانه على استخدام عقله بغير توجيه من انسان آخر. هذا هو شعار التنوير ..
 
وفي أزمنة الاستجابة لدعوات التنوير ، استقبلت مجلة " مدارس الأحد " رسالة هامة ورائعة من عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ــ إمام التنويرين في رأيي ــ يدعو فيها المؤسسة الدينية لتقويم وإصلاح بعض الأمور ، فتنشرها المجلة بكل أريحية ..
 
من بعض ما ذكر العميد في رسالته .."  إن إعداد رجال الدين المسيحي لاخواننا الأقباط محتاج إلى عناية خاصة من الدولة ومن الأقباط أنفسهم ، لأسباب طبيعية يسيرة أيضاً ، فإن الأقباط مصريون يؤدون الواجبات الوطنية كاملة كما يؤديها المسلمون ، ويستمتعون بالحقوق الوطنية كاملة كما يستمتع بها المسلمون ، ولهم على الدولة التي يؤدون إليها الضرائب ، وعلى الوطن الذي يزودون عنه ، ويشاركون في العناية بمرافقة ما للمسلمين من الحق في العناية بتعليمهم وتقويمهم وتثقيفهم على أحسن وجه وأكمله .

وما نظن أن أحداً يستطيع أن ينكر ذلك أو يجادل فيه بل ما نظن أن أحداً أنكر ذلك أو جادل فيه وقد قرر الدستور المصري الذي نؤمن به جميعاً أن المصريين سواء في الحقوق و الواجبات ، لم يفرق في هذه المساواة بين المسلمين وغير المسلمين ، [ والملاحظ ] أن الظروف المصرية الخاصة لا تسمح في هذه الأيام ، ولا ينتظر أن تسمح في المستقبل القريب بإعفاء الدولة من التعليم الديني في بعض مراحل التعليم .
 
ويستطرد  د. طه حسين  ويشير أن ملاحظته لا يقتصر  تطبيها على المسلمين وحدهم ، وإنما نلاحظ ذلك بالقياس إليهم وإلى غيرهم من أبناء مصر ، ومادام القيام بالواجبات الوطنية ـ هو مدار الاستمتاع بالحقوق الوطنية وجوداً وعدماً كما يقول الفقهاء ، ومادام الأقباط يستوون مع غيرهم في أداء الواجبات الوطنية بغير استثناء، فلابد أن يساووهم في الاستمتاع بالحقوق الوطنية بغير استثناء أيضاً ، والتعليم من هذه الحقوق ، فلابد إذن من أن يشترك المصريون جميعاً فيما يمكن أن يشتركوا فيه من مقومات الوحدة الوطنية ، ولابد إذن من أن تنفرد طوائفهم الدينية بما لابد من أن تنفرد به من التعليم الديني الخاص .ولست أرى بأساً بهذا النوع من الانفراد والافتراق ، فهو لا يمس الوحدة الوطنية ولا يعرضها لخطر ما ، ولعله يعين على تقويتها وتذكية جذوتها ... وللمقال تتمة في أعداد قادمة للتعرض لجوانب أخرى من الرسالة التي لا زالت في معظم محاورها الاستشرافية تعد قابلة للحوار حولها .