كمال زاخر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطريق إلى الزعامة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سطورى اليوم تتناول الضلع الثالث فى مثلث شباب اقباط جيل الأربعينيات من القرن المنصرم والذين كان لهم ادوار محورية فى تشكيل ورسم خريطة احداث الكنيسة وتشابكاتها مع دوائر الرهبنة والكنيسة والدولة والمجتمع العام بالداخل والخارج، وهو الأستاذ نظير جيد الذى صار فيما بعد اسقفا للتعليم ثم أختير لموقع البطريركية ليصير قداسة البابا شنودة الثالث. وقد امتد به المقام فى موقعيه الكنسيين لنحو نصف قرن من الزمان.

ومن نافلة القول أن الإقتراب من المجال الحيوى الفكرى والسياسى واللاهوتى لقداسة البابا شنودة الثالث مغامرة وعند البعض من المريدين مؤامرة، حتى أن من يقترب بقلمه من هذا المجال عليه أن يقدم شهادة ابراء ذمة.

كانت البداية فيما تجمع عندى من خيوط والشاب نظير جيد على مشارف التخرج فى كلية الآداب، ونذر الحرب تلبد سماء المنطقة العربية بعد أن أطلقت جماعة الإخوان بمصر نفير الحرب المقدسة وزينت الأمر لمليك البلاد بأنها الباب التاريخى لبعث الخلافة التى سقطت فى طورها العثمانى بانهيار تركيا، رجل أوروبا المريض، وداعبت أحلام الملك الشاب، والتى سبق وراودت والده السلطان ـ ثم الملك ـ فؤاد، بأن يصير الخليفة.

ونحن فى نهايات عقد الاربعينيات من القرن العشرين أعلن الملك فاروق عن اخضاع طلاب السنوات النهائية فى الجامعة المصرية لدورة مكثفة للتدريب العسكرى، يقضونها وفق جدول زمنى بكلية الضباط الاحتياط، وفى هذه الدورة يتعرف الشاب نظير على عديد من الشباب من كليات مختلفة، وفيما هم يتسامرون فى عنبر المبيت يدعوه أحد رفاقه للخدمة فى كنيسة الأنبا انطونيوس بشبرا، ومع انتهاء الدورة يتواصلا ويقصدان معاً تلك الكنيسة.

سرعان ما تتكشف مواهب الشاب الوافد التنظيمية والحركية، وما يملكه من ذاكرة تستحضر دقائق ما يقرأ حتى لو كانت قراءة عابرة وكل ما يسمع حتى لو كان فى دردشة غير مرتبة، وهو ما أهله ليقفز الى صفوف قادة الإجتماع، وتصل أخباره إلى مسامع الأستاذ حبيب جرجس، الذى  يستحضره وبعين الخبير يدرك ملكات هذا الشاب فيقربه إليه ويسند إليه امور مدارس الأحد التنظيمية، وبناء على اقتراح من الشاب تصدر مجلة مدارس الأحد وتسند رئاسة تحريرها للصحفى النقابى الأستاذ مسعد صادق، والذى كان يترأس تحرير أكثر من مطبوعة صحفية، لذا كان المدير الفعلى للمجلة الاستاذ نظير جيد، والذى تم تعيينه رئيساً لتحريرها بعد صدام الاستاذ مسعد مع ضباط ثورة 52، واعتقاله، وتبادر الجهات الحكومية بمخاطبة المجلة لتعيين رئيس تحرير أخر، فيطرح اسم الاستاذ نظير، وتقوم تلك الجهات بقيده صحفياً فى نقابة الصحفيين، وبهذا يتولى موقع رئاسة التحرير حتى يقرر دخوله الدير 1954، فى غضون تلك الفترة يقرر الأستاذ حبيب جرجس ضمه ونفر من أقرانه الى اللجنة العليا لمدارس الأحد.

حين رُسم الراهب انطونيوس السريانى اسقفاً عاماً للتعليم، باسم الأنبا شنودة، دشن اجتماعاً عاماً اسبوعياً يلقى فيه محاضرات وعظات دينية، بدأه فى مطعم الكلية الإكليريكية ومتاح حضوره للكافة، يعقد مساء يوم الجمعة، كانت اخباره يتناقلها الشباب المتعطش لمن يقدم له كلمة الله بلغة يفهمها خارج سياقات اللغة السائدة فى العظات وقتها والمسجونة خلف القوالب الجامدة والألفاظ المهجورة، كان اسقف التعليم يملك الجملة البسيطة ويجيد الحكى، وذكاء اختيار ما يتحدث فيه، دون أن يخدش فصاحة الطرح، هى لغة أقرب إلى لغة الصحافة، ويمكن أن نسميها السهل الممتنع.

مازلت اتذكر حين تعرفت على اجتماعه وكيف اعيد ترتيب مقاعد مطعم الإكليريكية الى صفوف خلف بعضها، فى مواجهة عدد من مناضد الأكل التى تجمعت لتصنع قاعدة تحمل فوقها مكتب وميكروفون يجلس إليها الأب الأسقف الأربعينى، تزدحم القاعة بالحضور فينتقل الاجتماع الى القاعة اليوسابية بمبنى الاكليريكية والتى تحولت فيما بعد الى قاعة الأنبا رويس (!!)، ويزداد العدد لينتقل الاجتماع إلى الكنيسة المرقسية بالأزبكية (البطريركية قبل انتقالها للعباسية)، ثم إلى الدور الأرضى للكاتدرائية الجديدة بالأنبا رويس وكانت تحت الإنشاء وقتها، ويستقر الاجتماع بانتقاله الى صحن الكاتدرائية نفسها، ولم يبرح ذهنى صوته المسترسل الناعم وهو يطلق العنان للتأمل فى "مزامير السواعى" فى اعادة تقديم للأجبية لجيل لا ينقصه الشغف، كان المزمور "يستجيب لك الرب فى يوم شدتك ..."، فيراير 1969، كانت رحلة العودة من قاعة الاجتماع الى بيوتنا نقطعها سيراً على الأقدام، ونحن نزدرد ونجتر ما قاله الأسقف الساحر، وتعرف عيوننا طريقها الى القراءات الروحية والربط بين صلوات الكنيسة وبين الكتاب المقدس.

على ذكر اللجنة العليا لمدارس الأحد اسمحوا لى أن اقفز عبر الزمن لنقف عند مشارف 1997،  احكى لكم فيها عن مقابلة مع الأنبا اثناسيوس مطران بنى سويف والبهنسا، وقتها، وزميل الأستاذ نظير فى تلك اللجنة، ورفيقه فى درب حلم الاصلاح، كان اللقاء فى منزل اخى وأبى القمص بولا ناشد بالمعادى، وكنت وقتها اكتب مقالاً اسبوعياً بجريدة الأخبار المصرية يتناول الاشكاليات القبطية والكنسية الإدارية، كانت بمثابة حجر القى فى بحيرتنا الساكنة. وخلق دوائر من ردود الأفعال المتباينة.

بادرنى ابونا المطران (بقى أنت ياأخ كمال بتكتب عشان قداسة البابا يلتفت لما تراه اشكاليات فى ادارته للكنيسة، وتنتظر أن يستجيب لما تطرحه؟، طيب أنا هاحكيلك موقف حصل زمان اما كنا فى اللجنة العليا لمدارس الأحد، كنا على موعد للقاء فى مقر اللجنة لمناقشة بعض الترتيبات، فوجدت الأخ وهيب عطالله غاضباً، خير مالك؟، ابداً شوف صاحبك الأخ نظير عمل إيه؟، مش احنا خدنا قرار بخصوص الموضوع الفلانى بأغلبية الأصوات؟، ولم يعترض عليه سواه، تمام، طب روح شوف لوحة الاعلانات، مطلع قرار عكس المتفق عليه، روح كلمه، انت اكتر حد بيعرف يتكلم معاه، ذهبت لألتقى صديقى، التقيته وكلى ثقة باقناعه، واستغرقت المقابلة نحو ساعة أو يزيد، كنت أنا المتكلم فى أغلبها، وكان هو منصتاً باهتمام، وهذه واحدة من سماته، فى نهاية المقابلة قال بهدوء، أفهم من كلامك ان المطلوب أغير القرار، شوف ياغالى واحد فقط هو الذى يقنعنى أن أغير قرارى، بادرته متلهفاً مين؟، قال وهو يضغط على كل حرف "لا أحد يقدر أن يغير رأى نظير جيد إلا نظير جيد" !!.)، وأردف أبى المطران معلقاً (يعنى وهو افندى كان هذا موقفه ومنهجه، وانا صديقه ورفيق مشواره، الآن هو من هو، بكل ما له من سلطان وشعبية وثقل، وانت مجرد علمانى من آحاد الناس، تفتكر هل ستأتى كلماتك بنتيجة ايجابية؟، الأمر ليس بهذه البساطة).

دعونا نخرج من هذه المشاهد ودلالاتها، لنستأنف المشهد الأساسى مع الشاب نظير جيد وهو يطرق ابواب الدير طلباً للرهبنة، وفيه تعددت روايات دوافع الرهبنة، وهو أمر لا تحسمه التحليلات، والتى تأتى محكومة بالهوى والموقف الشخصى لمن يطرحها، الأهم نتائج هذه الخطوة المفصلية.

هل نجد مفتاح الشخصية فى المشهدين السابق ايرادهما قبل سطور، أم نجده فى اللقطة التى يجسدها ترشحه لمنصب البابا البطريرك بعد نحو عامين من رهبنته، التى بدأت فى يوليو 1954 فيما رحل البابا يوساب فى نوفمبر 1956، فيسارع الراهب الشاب بالترشح لشغل الكرسى الشاغر، وهو الأمر الذى ازعج شيوخ مجمع الكنيسة وشباب الحكام الجدد وقتها، فكان تحركهم معاً لتغيير بنود لائحة انتخاب البابا البطريرك كما بينا فى المقال السابق، واللافت أن المشهد يتكرر بعد رحيل البابا البطريرك أنبا كيرلس السادس، فيعاود الراهب القمص انطونيوس السريانى تقديم أوراقه للترشح للمنصب، بعد أن تخطى شروط المنع السابقة، وتغيرت أيضاً أجواء الكنيسة والدولة، ويفوز بالمنصب فى مرحلتى التصويت والقرعة التى استحدثت فى انتخاب البابا كيرلس السادس.

ومازال للمشهد بقية.