سمير مرقص
(1) الأفندية: المعنى والدلالة الاجتماعية في السياق المصرى

تشير كلمة «أفندى»، في العموم، إلى المواطن الذي يجيد القراءة والكتابة. واستُخدم في إطار الدول التي كانت تابعة للباب العالى العثمانى لوصف من حظى بقدر من المعرفة والعلم ومن ثم المكانة الاجتماعية، وخاصة في إطار أبناء السلطة الحاكمة. وبات متعارفا عليه أن «الأفندى» يرادف- حسب سيار الجميل أحد المتخصصين في الشأن العثمانى- «السيد، الأستاذ، الجلبى (الحكيم والنبيل)، القارئ. ومع مرور الوقت، خاصة مع عهد التنظيمات العثمانية زمن السلطان عبدالمجيد الأول في الفترة الأخيرة من حكمه مطلع الربع الأخير من منتصف القرن التاسع عشر. أخذا في الاعتبار أن حديث إعادة تنظيم الدولة العثمانية قد بدأ مع ذروة صعود تجربة محمد على في مصر منذ منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر ووصل إلى ذروته في فترة الحكم المصرى للشام. حيث مثلت تجربة محمد على التحديثية الشاملة: العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية- بالرغم من نهايتها المؤلمة- تحديا للباب العالى. في هذا الإطار، اختلف تطور استخدام لقب «أفندى» بحسب السياقات الاجتماعية لكل دولة من دول الباب العالى.. ففى الحالة المصرية التي مارست- لوقت- دور الدولة المركز المستقلة نسبيا عن الباب العالى، بالرغم من التبعية القانونية له وقت محمد على؛ أخذ مصطلح أفندى- حسب سيار الجميل- «مضمونا اجتماعيا عاليا»، أكسبه- في تقديرى- بعدا طبقيا وثقافيا في آن واحد. وعليه أصبح «الأفندية»: طبقة اجتماعية عريضة تجمع عدة فئات عليا في المجتمع العام.

(2) التحديث المصرى والإصلاح الكنسى

كما أشرنا في مقالنا الأول، ساهم مشروع التحديث في الانتظام الطبقى للمصريين في الجسم الاجتماعى من خلال نعم ومنح التملك للأرض الزراعية للمقربين وللعائلات والموظفين من المصريين المسلمين والمسيحيين. ومن هؤلاء تبلورت ــ كما يقول رءوُف عباس وعاصم الدسوقى- «مصالح اقتصادية لفئات اجتماعية متعددة، انحدرت من أصول متباينة، وشكلت في مجموعها طبقة كبار الملاك الزراعيين (كبار الموظفين، وأعيان الريف، شيوخ البدو، والأجانب، إضافة لأسرة محمد على)، وقد تكونت ملكيات كل فئة من تلك الفئات في ظروف تختلف عن بعضها البعض وإن حكمتهم جميعا في النهاية الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ساعدت على تطور الملكيات الزراعية».. وكان الأقباط من ضمن من تملكوا الأرض الزراعية حيث تراوحت مواقعهم الاجتماعية بين شريحتى: «أعيان/ شيوخ القرى» و«كبار الموظفين»؛ إضافة إلى طبقة «التجار».. كان للطبقات الاجتماعية دور في عملية التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية كانت له تجلياته البارزة في عملية التحديث التي شكلت الدولة الوطنية الحديثة المصرية في القرن التاسع عشر والتى انعكست على جميع مكونات الجماعة المصرية. الأمر الذي تلقفه البابا الـ 110 في سلسلة بابوات الكنيسة المصرية كيرلس الرابع (1854- 1861)، أدرك مدى الاحتياج الموضوعى إلى انخراط الكنيسة في مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة فعمل بكل دأب على إطلاق مشروع كنسى إصلاحى- جوهره التعليم الدينى والمدنى- وشجعه في ذلك «أفندية» الأقباط الصاعدين (الوجهاء/ الأراخنة) بتنويعاتهم الطبقية المختلفة، ولمَ لا وقد أصبحوا جزءا من القوى الاجتماعية المصرية البازغة ويهمهم أن تتقدم الدولة ومن ضمنها الكنيسة بطبيعة الحال؟. ومن ثم اندمج الأعيان في العملية السياسية عبر مجلس شورى النواب بداية من 1866. وحرص «الأفندية» على مأسسة العمل الكنسى بما يتناسب والدولة الحديثة قيد البناء وكان ذلك قبل 150 عاما.

(3) الأفندية الأقباط والمعاونة في إدارة الشؤون المدنية للكنيسة

وبالفعل في هذا السياق، وعقب رحيل البابا كيرلس الرابع في 1861، تولى البابا ديمتريوس الثانى البابوية ثمانية أعوام.. وفى 1870 تولى الأنبا مرقس مطران البحيرة- وقتئذ- منصب القائم مقام البطريركى لمدة تقترب من خمسة أعوام. أدرك خلالها أن هناك مهام جديدة على الكنيسة أن تضطلع بها ولكن من خلال إعادة مأسستها بما يتناسب واحتياجات العصر. لذا جمع الأنبا مرقس عددا من «الأفندية» الأقباط المخلصين وطلب منهم أن يشاركوه في الأعمال الإدارية للكنيسة أو بلغة أخرى الشؤون المدنية لأعضاء الكنيسة.. فكيف صارت الأمور؟.. نواصل.
نقلا عن المصرى اليوم