كتب - محرر الاقباط متحدون

رد نيافة الأنبا نيقولا أنطونيو، مطران طنطا للروم الأرثوذكس، والمتحدث باسم الكنيسة في مصر، على سؤال يقول "لماذا رتبت كنيستنا الأرثوذكسية أن يُعَيَّد في الأحد الخامس من الصوم للقديسة مريم المصرية؟. 
 
وكتب نيافته عبر صفحته الرسمية على فيسبوك :" في هذا الأحد الأخير من الصوم الأربعيني المقدس واقتراب نهايته، الذي يليه إسبوع الآلام المقدس، وضعت الكنيسة أمامنا القديسة مريم التي عاشت في البريّة الخارجية حياة الصلاة والتوبة، لتكون نهاية هذه القديسة المُعيد لها مثال (نموذج) لإنهاض الخطأة والمتهاونين إلى التوبة. أما للذين قضوا مدة الصوم الأربعيني المقدس السابقة في بريّة داخلية، في أنفسهم، منقطعين بالصلاة والتوبة عن تشوشات العالم الخارجي. متمثلين في ذلك بحياة هذه القديسة المُعيد لها، ستكون نهاية هذه القديسة نموذجًا لنهايتهم. 
 
القديسة مريم المصرية مريم أمضت ثمانية وأربعين عامًا في البريّة الخارجية. هذه الأعوام تماثل السبعة وأربعين يومًا التي نمضيها في البريّة داخلية، منذ بدء الصوم الأربعيني المقدس حتى يوم قيامة الرب يسوع المسيح. 
 
هذه القديسة التقت بيسوع المسيح في سجودها لصليبه المقدس، في أورشليم، الذي أهرق دمه عليه فداء عن الكل، بعد أن ندمت على حياتها السابقة وتوبتها قبل خروجها إلى البريّة الخارجية. أما نحن فنلتقي بيسوع المسيح القائم من الأموات بعد دخولنا البريّة الداخلية خلال الصوم الأربعيني المقدس منقطعين بالصلاة والتوبة. الخطأة والمتهاونين إلى التوبة لن يلتقوا بيسوع المسيح.
 
كما أن القديسة مريم عاشت في البريّة الخارجية ثمانية وأربعين عامًا لم تتناول خلالها من القربان المقدَّس حتى لقائها بالأب الشيخ زوسيما الذي أتاها بجسد الرب ودمه الإلهيين يوم الخميس العظيم، وكان ذلك قبل رقادها بالجسد وارتفاع روحها إلى الأخدار السماوية. في أديرتنا جرت العادة أن يعتزل الرهبان العائشون في شركة إلى الصحراء في بداية الصوم الكبير، ولا يعودوا إلى الدير إلاّ يوم الخميس المقدس للمساهمة في القدسات الإلهية. 
 
أما نحن، مع أننا نتناول جسد الرب ودمه الإلهيين في زمن الصوم الأربعيني المقدس لإعانتنا في صومنا وجهادنا بالتوبة خلال هذه الفترة، فإننا بعد سبعة وأربعين يومًا في البرية الداخلية منذ بدء الصوم الأربعيني المقدس في يوم الخميس العظيم سوف نتشارك مع تلاميذ الرب يسوع المسيح  بمائدة العشاء الرباني، سر الشكر، الفصح المسيحي (ذبيحة العهد الجديد غير الدموية). ذلك أنه في احتفال الكنيسة بيوم الخميس العظيم خلال اسبوع الآلام المقدس هي تستحضر هذا الحدث، ما فعله يسوع وأوصى به تلاميذه بقول لوقا الإنجيلي: "وَأَخَذَ (يسوع) خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً، هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لَتِذْكَارِي "τὴν ἐμὴν ἀνάμνησιν" (tin emin anamnisin). وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً، هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ" (لو 19:22و20). فوصية يسوع لتلاميذه "اصْنَعُوا هذَا لِتِذْكَارِي" هي بمعنى "إصنعوا هذا إحياء لذِكْرِي"، وتعني "كلما دعت الحاجة لتستذكروني أصنعوا هذا"؛ لأن "التَّذْكِرة" هي ما تُسْتَذْكَرُ به الحاجة، ما يُستحضر به الشيء. أما "الذِكْرَى" فهي ذِكر الشيء بعد نسيانه، وتعني مجرد التذكر لأمر نتطلع إليه غائبًا عنا.
 
من وصية يسوع المسيح هذه تلاميذه "اصْنَعُوا هذَا لِتِذْكَارِي"، فإن كل ذبيحة إلاهية هي إمتداد وإستمرار للأعمال الخالصية التي قام بها من أجل العالم لا كحدث ماضٍ بل تقديم ذبيحة حقيقية حاضرة وعاملة، أي تذكِرة فاعلة متكررة. وقد أوضح بولس الرسول هذا، بقوله: "فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (1كو 26:11). قوله "تُخَبِّرُون" لا يعني الإخبار بالقول، بل يعني الاستذكار أو الاستحضار. 
 
ليعطينا الرب الإله أن نجوز زمن الصوم الأربعيني المقدس بما يرضيه له المجد لننال أجر الأبرار والقديسين الأمناء، سامعين قوله لنا: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين. كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير. ادخل إلى فرح سيدك"، ونعاين قيامته المجيدة.