إعداد : نجيب محفوظ نجيب
  كاتب و باحث و مترجم
يرى أن قيمة الأدب والفن تكمن فى أنها تُعَرِّفُ الإنسان بما يجهله عن نفسه وعن الآخرين.
فالأدب يجعل الأنسان يعرف أن الهم البشري واحد والمأساة الإنسانية واحدة.
والقراءة تجعل الأنسان يعيد استكشاف ذاته, فيجد نفسه في مواجهة ذاته قبل الآخرين. تتجلى أمامه عوالم أخرى عامرة بالأفكار والجمال, تهون عليه ما يكابده كل يوم, و النقطة الأهم أنه سيفهم كيف يفكر من حوله.
إنه الصيدلى و الروائى و المترجم : الدكتور إسحاق بندري.
 
يتذكر الدكتور إسحاق كيف كانت سنوات التكوين الأولى مزيجا من الأدب و الغن.
قراءة الأدب العالمى المترجم و الأدب المصرى و العربى.
بداية التعرف على جماليات فنون النحت والرسم.
الإستماع إلى موسيقى الچاز من الثلاثينيات والأربعينيات.
مشاهدة أفلام هوليوود الكلاسيكية القديمة.
" البدايات؛ هل ما يحدث لنا هو من قبيل المصادفة الكونية؟ هل المقدمات دائمًا ما تفضي لذات النتائج؟ أظن أن الإجابة صعبة وعسيرة. هل كنتُ محظوظًا بالوجود في جو عام يحب القراءة والكتب؟ ربما. ولكن للأمر أبعاد أخرى. الموسيقار والمايسترو ليونارد برنشتاين له كتاب مهم عنوانه "بهجة الموسيقى", وأنا أيضًا أحب الموسيقى الراقية بكل أشكالها, شرقية أو غربية, ولكني سأستخدم عنوان كتاب برنشتاين للتعبير عن الأدب؛ أجل "بهجة الأدب", ولا أجد توصيفًا آخر. الأدب هو البهجة الصافية في هذا العالم. في البدايات وسنوات التكوين الأولى تبحث صفحة العقل البيضاء عما يملأ سطورها بإجابات عن أسئلة عاصفة للذهن ربما لا يسهل الإجابة عنها. خاصةً في وقت ما قبل انتشار خدمات الإنترنت, محرك جوجل لو أحسنتَ استخدامه ستصل للكثير عن أية معلومة تبحث عنها الآن. ما كان متاحًا لي وقتها هو الجرائد والمجلات, ومكتبة المدرسة في مرحلتي إعدادي وثانوي, صاحَبَ الأمر انطلاق مهرجان القراءة للجميع ومشروع مكتبة الأسرة, لم يكن صعبًا عليَّ أن أحصل على الكتب. ولكن هل حقًّا نستوعب ما نقرأه في تلك السنوات الأولى؟ ليس بالضرورة أن يكون الاستيعاب تامًا, وربما كان طفوليًا ساذجًا, ولكنه على كل حال يُشَكِّل ذائقتك دون أن تشعر. ولكنكَ مع مرور الوقت ستفهم قيمة التراكم وتأثيره عليكَ. في الصف الأول الإعدادي كان من ضمن مقرر القراءة في اللغة العربية عرضًا لرواية إرنست همنجواي "الشيخ والبحر", فذهبتْ لمكتبة المدرسة وسألت أمينة المكتبة عنها, وَجَدَتْها لي, وقرأتُها بالفعل. لكن هل فهمتها؟ لا أتصور ذلك بالطبع. ولكنكَ ستعرف شيئًا هامًا, أن العالم أكبر بكثير من محيطك الضيق. ثمة عوالم أخرى, ثقافات أخرى, أفكار أخرى, أكثر رحابةً واتساعًا. كانت المكتبة عامرة بكل أصناف الكتب, قرأت الكثير من الأدب العالمي المترجم, في الغالب كانت تلخيصًا للأعمال الأصلية. بالفعل بدأت بمطالعة الأدب العالمي قبل المصري أو العربي. يتناقَضَ هذا العالم الواسع مع سخافة الإجابات المحفوظة التي تسمعها ممن حولك, الردود المتكررة التي لا تشبع ولا تروي. الإطلاع على الأدب العربي عمومًا جاء في المرحلة الثانوية, كان التوق للمعرفة أكبر مما قبل, قرأت ثلاثية نجيب محفوظ في تلك الفترة, مؤكد أيضًا أني لم أستوعبها بالقدر الكافي وقتها, خاصةً عندما أعدت مطالعتها منذ عدة سنوات. من ضمن المقررات كان لدينا كتاب كبير عن التذوق الفني, به مواضيع عن كبار التشكيليين المصريين مثل محمود سعيد, محمود مختار, أدهم وانلي وسيف وانلي وغيرهم, بداية التعرف على جماليات فنون النحت والرسم. تمر السنوات, والعقل يتشكل تدريجيًا, يتعرف على المزيد من الأسماء. بدرجةٍ كبيرةٍ لا تتمكن من التمييز بين الجيد والرديء بسهولة, هذه النقطة تستغرق وقتًا ومجهودًا, ولكن مرة أخرى عنصر التراكم هو العامل الأهم الكفيل بتوضيح الفارق. وقتها كان كل المتاح أيضًا قناتين في التليڨزيون ومحطات الراديو. كل ذلك يضيف إليك, منذ أربع أو خمس سنوات مضتْ بدأتُ أبحث عن الأفلام الكلاسيكية القديمة, روائع هوليوود التي لا تعرضها معظم القنوات حاليًا, اكتشفتُ أن هذا العالم القديم كامن في الأعماق ولم يبرح مكانه, موسيقى الچاز من الثلاثينيات والأربعينيات ما تزال تتردد في خلفية الذهن دون أن تعلم حقيقة مصدرها. مشاهد من فيلم كاسابلانكا محفورة في الذاكرة تحثكَ أن تعيد البحث عنها ومشاهدتها بعقل أكثر نضوجًا. سنوات التكوين الأولى كانت مزيجًا من كل ذلك, كتب وجرائد ومجلات وأفلام هوليوود القديمة, تختلط أصوات بينج كروسبي وإيلا فتزچيرالد مع أصوات محمد عبد الوهاب وأم كلثوم. كانت أكبر أمنية لدي أن أستمع لما أرغب فيه, دون انتظار لصدفة عرضه أو إذاعته, الآن نقرة واحدة على اليوتيوب أو الساوندكلاود تجلب إليكَ كل ما ترغب فيه وأكثر. البهجة الخالصة لم أجدها إلا في محضر الأدب والفن."   
 
و عن بداية حب الدكتور إسحاق للغة الإنجليزية و الأدب الإنجليزى, يحدثنا قائلا :
" أحب اللغات في المجمل. لكل لغة جمالياتها وموسيقاها وإشكالياتها أيضًا. ولكن العلاقة باللغات شبيهة بالعلاقات الإنسانية, لم أحب اللغة الفرنسية مثلًا ولي معها قصة بائسة جدًا. بعكس اللغتين العربية والإنجليزية. الأغرب أني تعلمت الإيطالية وليس بنفس درجة الإتقان ولكني لم أتعثر فيها مثلما حدث لي مع الفرنسية رغم أنهما تنتميان لعائلة لسانية واحدة هي اللغات اللاتينية. الحقيقة اللغة كائن حي, حيويته تكمن في تكيفه وقدرته على التعبير عن مختلف الحاجات الإنسانية. الأسبوع الماضي فاز الأديب البريطاني عبد الرزاق جرنه والمنحدر من أصول زنجبارية ـ تنزانية بجائزة نوبل في الأدب 2021, وهو يكتب بالإنجليزية بالطبع, لغة المستَعمِر الآن يستخدمها أبناء المستعمَرات في التعبير عن قضاياهم وهمومهم, في عصر ما بعد الكولونيالية. جاء فوزه مفاجأة للكثيرين هنا بسبب عدم ترجمة أعماله للغة العربية, رغم أن الرجل معروف ومقروء وأعماله مترجمة للغات كثيرة. الحديث عن الأدب الإنجليزي لا يطرح أفكار الأنجلوساكسون فحسب, ولكن أيضًا الأنجلوفونيين من أبناء المستعمَرات السابقة, فهناك أصوات أدبية لامعة على سبيل المثال كيران ديساي ومونيكا علي وترجع أصولهما لشبه القارة الهندية, أو أدباء أفارقة الأصل مثل تشيماماندا نجوزي أديتشي, بل حتى الأديبة البريطانية دوريس ليسنج الحائزة على جائزة نوبل في الأدب طرحتْ ذلك التلاقي بين المستعمِر والمتسعمَر في روايتها الأولى "العشب يغني". تأمل كيف اختلف التناول لمدينة الإسكندرية التي قدمها إي إم فورستر في كتابه عنها والذي ألفه في وقت الحرب العالمية الأولى أو التي قدمها لورانس داريل في رباعيته التي كتبها في وقت الحرب العالمية الثانية, وقارنها بالإسكندرية في كتابات إبراهيم عبد المجيد, محمد جبريل, محمد عبد الوارث رضوان, الأمر كله سيخبرك عن تنوع الرؤى حيال نفس المكان وشخوصه ولكن من زوايا متباينة ورؤى مختلفة.
 
ربما يبدأ عشق الأدب الإنجليزي من الكلاسيكيات الإنجليزية لكنك ستعرف أن لغة المستعمِر السابق وصلت بأبناء المستعمرات إلى العالمية, وعبرتْ عن محنتهم وهويتهم وقضيتهم. أظن أن الأمر مماثل مع الفرنسية والإسپانية والبرتغالية. في البداية تتصور أن الأمر يرتبط بالبريطانيين والأيرلنديين والأمريكيين الشماليين ولكن مع الوقت تتعرف كيف استوعبت اللغة الإنجليزية ثقافات أخرى مختلفة عنها. هل جاء هذا الأمر على حساب اللغات المحلية؟ ربما.
هذا الشغف على كل حال يدفعكَ دفعًا نحو مطالعة الأدب في لغته الأصلية. الأمر شاق في البداية, مرهق جدًا, للمرة الثالثة أقول لحضرتك عن عامل التراكم. عندما أعود للوراء عشرين عامًا عندما تخرجت واتخذت هذا القرار, قرار صغير في وقته, ولكن الآن يبدو أن كل التعب كان يستحق وجديرًا بالمجهود. بدأت بقراءة ترجمات الكتاب المقدس الإنجليزية, وهذا سَهَّلَ الأمر جدًا, رغم إني بدأت بترجمة New King James  وهي صعبة نسبيًا لو قارنتها بـ New International Version التي قرأتها بعدها. في كل الأحوال عندما تبدأ بالأصعب فهذا كفيل بتنمية مهاراتك أكثر. بعدها كنت أجمع من سور الأزبكية كل ما يمكنني الحصول عليه لقرائته, سواء كلاسيكيات أو ما يمكن أن نطلق عليه الأدب التجاري. ربما أكون قد ضيعت بعض الوقت في مطالعة أعمال لم تكن ذات قيمة أدبية تُذْكَرْ, ولكن الفائدة النهائية هي تنمية للغة في حد ذاتها, بالإضافة إلى أنك تتعلم التمييز بين الغث والسمين بعد ذلك. الحقيقة أن سور الأزبكية به كنوز, ولكن المهم أن نبحث عنها. مطبوعات دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة AUC Press  من أثمن ما أقتني. الجامعة الأمريكية صاحبة دور ريادي في ترجمة الأدب العربي وتقديمه للقاري الغربي, ولكن الأمر مختلف قليلًا لكَ عندما تطالع عملًا قرأته نصه العربي الأصلي ثم تقرأ ترجمته الإنجليزية, المجهود مشكور وثمين بالطبع لكنه يحيلكَ إلى نقطة جوهرية, عن الروح المفتقدة الضائعة من اللغة الأصلية, تصور مثلًا السيد أحمد عبد الجواد وأمينة وعائشة وياسين وفهمي وكمال يتحدثون بالإنجليزية في قلب الجمَّالية لتدرك الإشكالية الترجمية في فقد جزء من روح النص. الحقيقة إن دور الجامعة الأمريكية ثمين جدًا في تعريف القارئ الغربي بالتاريخ المصري عبر مراحله, وحتى بالنسبة لكَ كقارئ مصري فالأمر كفيل بتوسيع إدراككَ ومعرفتكَ من زوايا جديدة لم تكن تعيها قبلًا."   

يحب قراءة الأدب و خاصة الرواية.
و عن هذا الحب و هذا الشغف يحكى لنا الدكتور إسحاق :
" الأدب هو رقم واحد في القراءة, الرواية على وجه التحديد. الأشكال الحداثية للسرد الروائي تعبر عن قناعات الإنسان الحديث ومأساته وملهاته. غزارة الإنتاج الأدبي يجعل الأمر صعبًا على أي أحد أن يحيط علمًا بكل المنشور. أستفيد مما يقرأه ويكتبه أصدقائي أيضًا. الشهور الماضية تعرفت على أعمال روائية قيمة لأدباء سوريين سواء في سوريا أو في المهجر: ريمة راعي, نافذ سمَّان, لوريس الفرح. إضافات قيمة من الأدب الروسي للأديب والمترجم يوسف نبيل فقرأت ترجمته لمجموعة "سلاح الفرسان" للأديب الروسي إسحاق بابل وله الفضل في تعريب أعمال بابل. تصور أني تأخرت جدًا في اكتشاف العالم الثري في كتابات الأستاذ الكبير شطبي ميخائيل. كيف لا تقرأ لصاحبات أصوات أدبية ثرية مثل  نادية شكري, منى العساسي, دعاء البطراوي؟ كيف يفوتك عالم سراج منير الذاخر؟ ماذا لو لم يترجم لنا الأستاذ صلاح صبري "كتاب الزنوج" للورانس هِل؟ كيف تحرم نفسكَ عن أشعار البهاء حسين, عبد الرحيم طايع, أمل الشربيني, ميشلين مبارك, سلوى بن رحومة؟ الحقيقة أني أشعر بالتقصير أمام العديد من الأسماء الأدبية المتميزة من أصحاب الإنتاج الأدبي الراقي. طبيعي أن تتنوع القراءة في كل المعارف بقدر المستطاع لكن الرحلة طويلة والوقت قصير."
 
حبه لقراءة الأدب دفعه إلى الكتابة الأدبية.
بدأ يكتب رواية " جميلة الجميلات " فيما بين 2016 و 2017 و هى التى نُشِرَتْ في 2020.
 
و عن هذا الرواية يقول الروائى إسحاق بندري :
” بالطبع القراءة تدفعكَ نحو الكتابة. ولكن بعيدًا عن التجارب الطفولية الأولى,  النشر الفعلي كان في جريدة الأهرام ويكلي الإنجليزية, كنتُ أكتب في بريد القراء لديهم في الفترة من 2005 حتى 2010 ثم توقفت عن الكتابة. في الحقيقة الرتابة اليومية المعتادة كفيلة بتجفيف الروح. فكرة كتابة رواية تأخرت لأسباب كثيرة لا أريد أن أخوض فيها, ولكنها ظلت في ذهني من سنة 2014, ولم أنجزها فعليًا إلا في 2016 ـ 2017, إلى أن نُشِرَتْ في 2020. الأمر له أيضًا علاقة بعوامل من الكسل الشخصي. نشر "جميلة الجميلات" يعود الفضل فيه للتشجيع والدعم الكبيرين من أديبين جليلين هما الأستاذ محمد عبد الوارث رضوان والأستاذ عادل إدريس المسلمي. في الحقيقة إني مدين لهما بالكثير."
 
 "جميلة الجميلات" مرت بعدة مراحل في الكتابة. بعد أقل من عامين على نشرها لديَّ ما ألوم نفسي عليه من أخطاء سردية وقعت فيها. نتيجة قلة الخبرة من ناحية أو عدم التخطيط للعمل بشكل أفضل. في البداية تظن نفسك أتيتَ بما لم يأتِ به أحد قبلك, ولكنكَ تداوم على تقييم نفسكَ بشكل مستمر, الخطأ هو أن تجامل نفسك وتتغاضى عما ارتكبته من أخطاء. مهم جدًا أن تسمع ما يقوله لكَ من تثق في رأيهم, العمل الأدبي بعد نشره لم يعد ملكك وحدك, ويحتمل كل أنواع التحليل والتأويل. العام الماضي كنا في ندوة لمناقشة الرواية في قصر ثقافة الشاطبي بالإسكندرية بدعوة من الأستاذ محمد عبد الوارث رضوان, وكان الأديب الدكتور إيهاب بديوي هو من يدير المناقشة, في الحقيقة إن تحليله كان من الثراء بدرجة مذهلة لي. الأديب طارق عبد الوهاب جادو قَدَّمَ عنها تحليلًا متعمقًا في قناته الأدبية على اليوتيوب, كل هذه التحليلات تجعلكَ تعيد حساباتكَ من جديد وتستفيد مما سمعته أو قرأته من نقد ومراجعات. كانت نقطة فارقة لي عندما قَدَّمتْ عنها مجلة "عالم الكتاب" ملفًا في عدد يناير 2021, في مقالين قيمين للأستاذ جمال الطيب والأستاذ سفيان صلاح هلال. "جميلة الجميلات" فيها تعبير كبير عن حالة الارتباك الكبيرة في المجتمع المصري في العقد السابق لأحداث يناير 2011, وفيها دعوة لحب الفن والجمال أيضًا."
 
يوضح لنا المترجم إسحاق بندري لماذا أختار أن يترجم مسرحية و لم يختر أن يترجم رواية أو مجموعة قصصية :
" اختيار مسرحية "زوج مثالي" لترجمتها كان لسببين؛ الأول أنها واحدة من أجمل الأعمال الأدبية التي قرأتها على الإطلاق, والثاني أنها صغيرة الحجم. في نفس التوقيت من العام الماضي 2020 بدأت في ترجمتها, كنت أختبر نفسي هل سأقدر على إنجاز ترجمتها أم لا. كنت أسأل الأديب والمترجم الأستاذ محمد جلال في الكثير من التفاصيل, كنت في حالة من الوسوسة بحكم أنها التجربة الأولى.   أوسكار وايلد صاحب أسلوب عذب وبليغ, السهل الممتنع كما يقولون, وكان مهمًا أن أعبر عما كتبه بأقرب صياغة أدبية مناسبة له. لم أكن أعرف أن هناك صعوبة في نشر الأعمال المسرحية المترجمة, ونفس الوضع مع المجموعات القصصية, غير مرحب بهما من معظم الناشرين في معظم البلاد العربية. وجهة نظرهم أنها لا تجذب القراء ولا تحقق الربح الكافي. ولكن على جانب آخر فالأعمال المسرحية التي تُرجمت في الماضي عندما أعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة طباعتها فهي في الحقيقة تجد إقبالًا كبيرًا وتنفد طبعاتها سريعًا. المهم إني في وقتها لم أكن أعرف كل ذلك, والحمد لله إني وجدت ترحيبًا بنشرها بمجرد تقديمها للناشر وخرجت للنور في معرض الكتاب الفائت. إذن كما ترى حضرتك فالعمل كان من اقتراحي الشخصي, وهذا عامل مهم أن تختار بنفسك على عكس أن يُعرض عليك. المسرحية تعبر عن مأساة أوسكار وايلد نفسه, في الفترة الأخيرة العاصفة من حياته بعد أن تفجرت فضيحة ميوله المثلية, ربما كان يتمنى في قرارة نفسه أن تنتهي مشكلته الشخصية بنفس النهاية السعيدة للمسرحية في نوع من التفكير الرغبي ولكن هذا لا يحدث في واقع الأمر, على جانب آخر مشكلة أوسكار وايلد الكبرى أن فضيحته انفجرت في مجتمع يدعي المثالية والتقوى بينما كل المثالب والخطايا مختفية في السر. الأهم بالنسبة لي أن الترجمة تجربة ثرية, لأنها تعيد تعريف المترجم بلغته الأم واللغة التي يترجم عنها. في واقع الأمر إنها تدفعه للبحث عن أمور كثيرة متعلقة بالخلفيات الثقافية والدينية والاجتماعية والتاريخية. ليس ذلك فقط, بل إنها تضيف إلى المترجم بعدًا جديدًا في تنوع الأساليب الأدبية, ترجمة نص أدبي يعتمد على البلاغة والبيان تختلف عن ترجمة نص يعتمد على الصياغات المقتضبة مثلًا. ربما تستغرق ساعات طويلة في البحث واختيار المفردات وانتقاء المرادف الأنسب. الأمر يشبه معادلات الرياضيات في صعوبته بدون مبالغة, ولكنه ممتع في نفس الوقت.
 
أما عن أهمية القراءة فى حياة الأنسان, يقول لنا الروائى و المترجم أسحاق بندري :
 " القوة الناعمة للأدب والفن هي الحل الوحيد المتاح أمامنا بدون مبالغة. لا يمكنكَ أن تعي رداءة القبح إلا لأنكَ تعي جيدًا معنى الجمال. الأمر أكبر من اعتباره رفاهية. قيمة الأدب والفن أنها تُعَرِّفُ الإنسان بما يجهله عن نفسه وعن الآخرين. ما أسهل أن يتكاسل العقل عن مواجهة الأفكار المغلوطة فضلًا عن الاستسلام لها. القراءة تجعلكَ تعيد استكشاف ذاتك, تطرح عليك كل الأسئلة العسيرة, تجد نفسك في مواجهة ذاتك قبل الآخرين. تتجلى أمامكَ عوالم أخرى عامرة بالأفكار والجمال, تهون عليكَ ما تكابده كل يوم, النقطة الأهم أنكَ ستفهم كيف يفكر من حولك, ربما تتعاطف معهم أو ترثي لحالهم. المشكلة الكبرى لضيقي العقول أنهم لا يعرفون ولا يعلمون ذلك! هم مستعدون للخوض بإبداء الرأي في أي شأن مهما بلغ تعقيده بإجابات سطحية رديئة, في ثقة بالغة في النفس! الأصولية بكل أشكالها تنبع من ذلك. لكن رحلتك مع القراءة والمعرفة تعلمك قيمة التواضع, أن ما تجهله أكبر مما تعرفه, ألا تتحدث عما لا تفهمه قبل أن تبحث وتطلع عليه, تجعلك تحسن اختيار كلماتك قبل الإدلاء بها, يظل في داخلك بعض الشك يدفعك نحو التأكد والتمعن. الأدب سيقول لكَ أن الهم البشري واحد والمأساة الإنسانية واحدة, ولكن وسط كل ذلك فهناك ثقافة وحضارة وتراث وإنجاز وحكمة لابد أن تطلع عليهم, والضروري هو أن تسمع وتقرأ وتفهم وتتعلم ميزة التفكير. كل البشر يدعون ذلك, ولكن من يفكرون فعلًا قليلون. الحصول على معلومة لم يعد صعبًا, ولكن من يبحثون فعلًا قليلون. مصادر المعرفة والبحث أصبحت متنوعة ومتاحة للجميع, لكن الاستخدام النافع لها ليس من ضمن اختيارات الجميع للأسف! "