د.أحمد الخميسي
أصبح " فيس بوك" وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للآراء من دون أي قيود أو شروط  فكرية أو لغوية، لكن الأهم من ذلك في تقديري أنه أمسى في الوقت ذاته شاشة كاشفة للوعي الاجتماعي، درجة تدهور أو تطور ذلك الوعي، أقول ذلك وقد صادفني منذ يومين في فيس الاعلان التالي: " السلام عليكم ورحمة الله. أي حد عنده استفسار أو مشكلة تخص السحر أو المس أو العين، أو التوافق بين الأزواج، والرقية الشرعية، وضيق الرزق ووقف الحال، يكلمني وأنا تحت أمر الجميع".
 
ومن الاعلان يبدو أننا أمام إنسان كلي القدرة، لا يقف شيء في طريقه، قادر على تحقيق معجزات من كل الأنواع. الأهم أن الكثيرين علقوا على الاعلان يطلبون التواصل مع ذلك الانسان الخارق لحل مشكلاتهم. إذن نحن مازلنا أمام الاعتقاد في الخرافات والايمان بقدرات الدجالين بعد أكثر من مئتي عام على انشاء المجمع العلمي في القاهرة وكان ذلك بمرسوم من نابليون بونابرت في أغسطس 1798 بهدف العمل على نشر المعرفة والعلم. وبعد انقضاء اكثر من قرنين من الزمان نكتشف أن قسما كبيرا من الوعي العام مازال في قبضة الجهل والشعوذة، ومن نماذج ذلك  الوعي أن حريقا شب في ثمانية منازل في أسيوط في أبريل عام 2017، وأقسم معظم الأهالي أن هناك " جن " شرير سكن أحد البيوت وهو الذي تسبب في إحراق المنازل.
 
وروى أحد المصابين أنه حاول الاستعانة  بالمشايخ لإخراج الجن لكنهم طلبوا أموالا طائلة! وعادة يصف أولئك الدجالون أنفسهم بصفات باهرة مثل " قاهر الجن"، و"صاحب الكرامات"، أما الشيخة زينب فإنها:"مشهود لها بالمصداقية". وبلغت الجرأة بأحدهم درجة الاعلان عن أنه: " وضع حدا نهائيا لمرض السرطان"! وتمادى دجال اخر فوضع اعلانا عن :    " تخليص الانسان من الالحاد ب 25 جنيه" ! أي أنهم بلغوا درجة بيع صكوك الايمان بأسعار شعبية متهاودة ! وفي معظم الأحيان يكون جلب الحبيب أو فتح باب الرزق بمجرد اتصال هاتفي مقابل كروت شحن موبايل ! ومع ذلك ورغم استثمار حواديت الجن ، والعفاريت، وتحويل الخوف من المجهول إلى سلعة رابحة، فإن هناك والحق يقال نوعا محترما من الجن يراعي الأصول، مثال ذلك ما نشر عن فتاة ادعت أن الجن عاشرها، فطمأنتها المعالجة الروحانية منى النمر بأن " الجن قد يعاشر الفتاة لكنه لا يؤثر على غشاء بكارتها" ! إذن هو جن صحيح، لكنه محترم ، يفيد ويستفيد من دون أن يؤذي أحدا ! ونحن لن نفض سيرة هذه الخزعبلات ولا تفشى الدجالين إلا بنشر العلم.
 
وقد طالبت من قبل، وما زلت أطالب، بإطلاق قناة تلفزيونية للعلوم، وتأسيس المجلات العلمية المبسطة، ونشرها في الريف، وزيادة مخصصات البحث العلمي في ميزانية الدولة، هذا وإلا يظل حديثنا عن التنوير محض أمنيات عاجزة عن مواجهة الشعوذة وتدهور الوعي الذي تكشفه صفحات وسائل التواصل.