بقلم: نبيل شرف الدين
الآنسة (شيرين) صحافية شابة تخرجت في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وعملت لدى صحيفة تصدر بالإنجليزية في مصر، وسبق لها أن سافرت إلى عدة دول أوروبية، وأيضًا إلى الولايات المتحدة، فهي ابنة أسرة ميسورة الحال، تلقَّت أمها تعليمًا فرنسيًّا وتعمل الآن في إحدى السفارات الأجنبية بالقاهرة، بينما يدير أبوها شركة ناجحة، ورغم كل هذا قرَّرت (شيرين) ارتداء الحجاب، وحتى هنا لا جديد في الأمر، فهذا أصبح ظاهرة واضحة في مصر، وبالمناسبة هذا الأمر لا يثير حفيظتي بقدر ما يضغط على غدد التأمل والتفكير لدى أي مصري مهموم بالمستقبل، خاصة بعدما أصبح يُنظر اجتماعيًّا إلى غير المحجبة بعين الشك والريبة والطمع، وكثيرًا ما تواجهها أسئلة وربما دعوات لارتداء الحجاب، سواء جرى ذلك في محيطها الاجتماعي، أو في جامعتها أو عملها، أو حتى في عربات مترو الأنفاق، التي تحوَّلت منذ سنين إلى مسرح مفتوح للتحريض العلني العام، المسكوت عنه رسميًّا.
الجديد في الأمر أن تحولاً هائلاً جرى للآنسة (شيرين)، فقد أصبحت أكثر تجهمًا، وأقل إقبالاً على الحياة، والأخطر من كل هذا أنها صارت تتبنَّى شيئًا فشيئًا "نظرية المؤامرة" في كل شيء تقريبًا، حتى أنها صارت مقتنعة إلى حد لا يحتمل الجدل ولا المناقشة، بأن "الجماعة النصارى زودوها حبتين"، وأنهم هم الذين يدبرون حوادث العنف، للاستقواء بالخارج على مصر.

التقيت (شيرين) في إحدى الفعاليات التي تجمعنا كأبناء مهنة مشتركة، وساخرة مني سألتني عن أحوال "الجماعة في واشنطن وتل أبيب"، وخالتي "هيلاري كلينتون"، وقرَّة عيني "نتنياهو"، وقد طمأنتُها عليهم، وبشَّرتُها بأنهم بخير رغم أنف "ويكيليكس"، وللمرة الأولى في حياتي التي أتعرَّض فيها لما يمكن وصفه وفق معجم الأمم المتحضرة بالتحرُّش، إذ جذبتني (شيري) من يدي ونحن نتجوَّل في ردهات الفندق الفخم، حتى كدت أنكفئ على وجهي من فرط عنف الزميلة، سدَّد الله خطاها، ونظرت إليَّ شذرًا، حتى خشيت أن تصفعني فحافظت على مسافة مناسبة بيننا، ورحت أسمع بكل أدب لروايتها التي طرحتها بكل ما تملك من قوة ومن رباط الخيل، وهي تشوح وتغمز وتطلق النظرات النارية "الحارقة الخارقة" صوب صاحبكم المغلوب على أمره، في ما يرتفع صوتها مزمجرًا حتى خرج من طبقة الآنسات، إلى فئة "الدفع الرباعي".

راحت الآنسة (شيرين) يا سادتي الكرام تؤكد بكل ثقة ويقين أن هناك مؤامرة إسرائيلية ـ أميركية مشتركة وراء هذه التفجيرات الأخيرة سواء في الإسكندرية أو نجع حمادي وحتى مندوب الشرطة الذي أطلق الرصاص على الأبرياء في المنيا.
وتطوَّعت الزميلة مشكورة مأجورة بوصف أهداف تلك المؤامرة المزعومة بأنها واضحة وضوح الشمس، وهو محاصرة مصر، ودق "إسفين" بين ما يسمى "عنصري الأمة"، وربما دفعها أيضًا إلى دخول تحالف واشنطن ـ لندن ـ تل أبيب لمحاربة المسلمين المصريين.
وقبل أن أنطق ببنت شفة، استمسكت "شيري" بزمام الحديث، وواصلت إطلاق مدفعيتها الثقيلة، قائلة إن اللعبة محبوكة بعناية، حتى تنطلي على البسطاء والسُّذَّج من العوام، أو العملاء أمثالي من أعداء الإسلام والأمة العربية الخالدة ذات الرسالة الواحدة!

وكما تقول العرب العاربة، أُسقط في يدي يا سادتي الكرام، ولم أجد سبيلاً إلى اختراق هذه "الأيديولوجيا المحكمة البناء"، فلسنا هنا بصدد مناقشة، بل حيال حرب أفكار حقيقية، بكل ما تعنيه مفردة الحرب من نتائج وأدوات ووسائل، فالزميلة هنا وضعت نسقًا فكريًّا شديد الصرامة، يتمترس وراء قناعات عقدية يصعب التعاطي معها بالوسائل المتعارف عليها للمناقشة، وهذا ما يجعل من إيثار السلامة وتمرير المواقف الحل الأكثر نجاعة وحكمة، للتعامل مع مثل هذه المواقف، التي يجد المرء نفسه فيها مضطرًّا إلى مناقشة غاضبين أو مأزومين أو مضطربين عاطفيًّا وإنسانيًّا واجتماعيًّا.
***

وبلا أي ادعاء زائف للحكمة والموضوعية، أجدني مضطرًّا إلى التماس ألف عذر وعذر للآنسة الزميلة المحترمة، فهي ضحية لإلحاح يومي من كل اتجاه يحرِّض على الغضب، ويدعو إلى الحقد، ويراكم طبقات الكراهية، ويضاعف مستوى الإحباط، ومن هنا فلا يحق لي ولا لغيري اتهام فتاة في عشرينيات عمرها، وترك الجناة الحقيقيين في السلطة والإعلام والمنابر، ناهيكم عن الأفَّاقين وسماسرة التحريض وتجار الحروب الأهلية من أدعياء الثقافة أو التأسلم أو متعهِّدي الأوطان والأديان، وأصحاب براءة اختراع "يا خيل الله اركبي".

وتعالوا بنا نقضي يومًا أمام مئات الفضائيات وهي تتغنَّى يوميًّا في صوت واحد كأنه "كورال" بانتشار ما يسمى "الإسلاموفوبيا في الغرب"، والتغزُّل فيما يُدعى "المقاومة في العراق"، ويكاد المرء يرى شماتة المذيعات والمذيعين في عيونهم، وهم يتحدَّثون عن ذبح رهينة كما الخراف والماعز، وحتى حين يفر المرء بعينه إلى قنوات يفترض بها الرصانة مثل "الجزيرة" يرى أصحابنا هناك "إياهم" يتحدثون عن فضل الشهادة في سبيل الله، والمقاومة الباسلة، واستشهاد فلسطيني من جماعة القط الأسود (إيفر ريدي) قبل أن يتمكَّن من تفجير مقهى أو حافلة ركاب، وغير ذلك من أدبيات المرحلة الراهنة.
أما إذا قادت المرء مصادفة حمقاء إلى دهاليز "الويب"، فإنه سيطالع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر ببال إنسان من شتائم وسخائم وتحريض وصل في بعض المواقع إلى درجة تعليم فك وتركيب وصيانة الأسلحة وطرق صناعة المتفجرات اليدوية "المولوتوف"، وحتى عبر غرف الدردشة، سيجد المرء "أبا القعقاع"، و"أبا الهيجاء" وبقية الآباء وهم يتغزَّلون بشخص "مجدِّد الإسلام، وإمام الزمان" أسامة بن لادن، وأركان حربه الظواهري، ويجد من يدله على الوسيلة المثلى للالتحاق بالمجاهدين في العراق وأفغانستان وكلشينكان.

وإذا كانت الإنترنت قد خرجت من قبضة الأنظمة، وفرضت وجودها كواحدة من أهم وسائل الاتصال والإعلام والإعلان، فإن هذه الشبكة لم تكن أكثر من مرآة تعكس واقعًا سياسيًّا واجتماعيًّا شديد العبثية والانحطاط، يتاجر فيه الساسة بالدين لتبرير بقائهم، وتمرير فسادهم واستبدادهم، تمامًا كما فعل صدام حسين بعد "أم المعارك"، حين كتب بخط يده عبارة "الله أكبر" على علم العراق!
وبعد كل هذا التحريض الإعلامي، والاحتفاء بجرائم الإرهابيين في العراق وغيرها، وتأجيج المشاعر المحتقنة أساسًا بسبب اختلال معايير العدل وتكافؤ الفرص، وشيوع الفساد وتقلُّص مساحات الأمل على كافة الأصعدة، يثور سؤال منطقي بالغ البساطة وهو: لماذا لا نتوقَّع أن يذهب بعض الشباب بعيدًا، وتأخذه الحمية أو الغضب غير الرشيد إلى حد تفجير أنفسهم على النحو الذي حدث في تفجيرات الإسكندرية وقبلها سيناء ووسط القاهرة وغيرها؟

وعلى أدنى تقدير يتورَّط بعضهم في تنفيذ أجندات منظَّمات إرهابية تبحث عن أهداف سهلة ومؤثِّرة، في أي مكان، لتضربها تأكيدًا لحضورها في المشهد، ودون مراعاة أية اعتبارات، أو التفكير بأي نتائج ربما تترتب على هذه الممارسات، كما يفعل الإرهابيون في العراق حاليًا، الذين تدللهم أجهزة الإعلام العربية وتخلع عليهم لقب "المقاومة الشريفة"، أو كما تصر الجزيرة وشقيقاتها على وصف الانتحاريين في "حماس" و"الجهاد" بالاستشهاديين، بينما نسحُّ الدموع غزيرة على "أسرى جوانتانامو"، الذين يتصور البعض أنه أُلقي القبض عليهم حين كانوا يقضون عطلة رأس السنة في منتجعات أفغانستان، أو يتلقون العلم في خرائب قندهار، ثم يقوم بعد ذلك "الجناح السياسي" للإرهاب والإرهابيين من طراز "الكاتب الإسلامي" و"المفكر الإسلامي" و"الداعية الإسلامي" بتقديم المبرِّرات للقتلة والانتحاريين، ووصم الإنسانية كلها بالكفر والفجور وعظائم الأمور، في الوقت الذي لا يجرؤ فيه هذا الكاتب أو ذاك المفكر أو ذلك الداعية بالاقتراب من "أولي الأمر"، مهما فعلوا أو اقترفوا بحق البسطاء والمغلوبين على أمرهم.
***

بعد هزيمة‏ يونيو عام 1967، سأل عبد الناصر كل المحيطين به من أعضاء مجلس قيادة الثورة لماذا وقعت النكسة؟‏‏ فكانت الإجابة الوحيدة التي تلقَّاها تتلخَّص في كلمتين هما "مؤامرة خارجية"‏، فاستراح لها، وصدَّقنا جميعًا أن المؤامرة كانت كل الحكاية‏.
ويحدث يوميًّا في مقابلات وبرامج تلفزيونية عديدة أن يبدأ "المفكر العربي الكبير" بالتأكيد على أنه ليس من أنصار نظرية المؤامرة، ولكن سرعان ما يبدأ في رسم مؤامرته الخاصة، وهي أحيانًا ما تكون مبتكرة ومثيرة، فيتحدث محلِّلون وساسة في الفضائيات العربية بيقين لا أعرف له مبررًا عن المخطط الاستعماري في ثنايا مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وكيف أن أميركا والغرب كله يسعى إلى محو الإسلام، والتآمر على المسلمين، كأن هؤلاء أقوياء لدرجة يخشى منها الغرب، بل ويذهب "سي المفكر" إلى مرحلة تسويغ الإرهاب باعتباره السلاح الممكن، والأداة المتيسِّرة لردع مطامع الغرب، الذي يريد انتهاك "خصوصيتنا" حماها الله، أو فرض ما يسمى "الإصلاح" من الخارج، بينما نردِّد عبارات من نوع "الغرب لا يفهم طبيعة مجتمعاتنا وشعوبنا".

المؤسف في سياق انتشار فكر المؤامرة أنه يظهر أصحاب الشعارات الطنانة كوطنيين ومؤمنين صادقين، بينما من يحتكم إلى العقل ويخطط لمجتمعه برصانة يتهم من قبل أراذل الخلق بالعمالة أو على الأقل يتم تهميشه، لينتصر في النهاية دعاة الغوغائية، وتعم الفوضى وسوء التقدير، وتقع الكارثة تلو الأخرى، بينما لا نتعلم مما جرى ويجري وسيجري.
وصدق الكواكبي حين قال "وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحوِّل ميلها الطبيعي من طلب الترقِّي إلى طلب التسفُّل، بحيث لو دُفِعَت إلى الرفعة لأبت وتألَّمت كما يتألَّم الأجهر من النور".
والله غالب على أمره
للمزيد أزهى عصور المؤامرة: زرع .. حصد .. فجَّر