بقلم: إسحق إبراهيم
انتهت أزمة تغيير أسم قرية "دير أبو حنس" نهاية سعيدة، ورضخت الجهات الرسمية إلى رغبات أهل القرية ببقاء الاسم القديم دون تغيير ودون الإفصاح عن سبب قيامها بتغيير الاسم بشكل مفاجئ، والأسباب التي دفعتها لذلك، وما دلالة الاسم الذي كانوا يريدون فرضه قسرًا على أهل القرية؟ رغم أن هذه الأزمة أقل حدة من غيرها خاصة تلك التي تصحبها اعتداءات على الأقباط وتخريب لممتلكاتهم إلا أن تحرك أهل القرية كان مثاليًا ويستحق الإشادة وقدم نموذجًا للتحرك البنّاء الذي يمكن الاستفادة منه في المستقبل. ولعل من أبرزها الدروس المستفادة من هذا التحرك:

أولاً: استخدام جميع الوسائل المتاحة للتعبير عن الحقوق والتنديد بالانتهاكات، فقد قدم الأهالي درسًا للتحرك في عدة اتجاهات في نفس الوقت وبطريقة فعالة، فالآلاف تتظاهر وتحتج في القرية وبشكل سلمي ورافعة شعارات بمطالبها دون الخروج عن النظام، وفي نفس الوقت تجرىَ اتصالات بأعضاء المجلس المحلي وعضوا مجلس الشعب عن الدائرة للضغط عليهم للتحرك والقيام بأدوارهم نحو إجبار الجهات التنفيذية بإيقاف العمل بالاسم الجديد.
هذا يتم في نفس الوقت الذي يقوم فيه محامي الأهالي باتخاذ الإجراءات القانونية من تقديم التماس في الموعد القانوني ثم رفع دعوى قضائية ضد الجهات التنفيذية.
يمكن القول أن التحرك كان في ثلاثة اتجاهات في نفس الوقت التظاهر واتخاذ الإجراءات القانونية ومخاطبة المسئولين، إزاء هذا التحرك الفعال تراجعت الجهة الإدارية لأنها أدركت أنها لن تصمت أمام تحرك شعبي منظم وله مطالب عادلة وحقيقية، وشاهدنا اللواء أحمد ضياء الدين يعلن عن صدور قرار بالاحتفاظ بالاسم القديم للقرية وتبعه صدور قرار آخر من وزير العدل بالتراجع عن تغيير اسم القرية ومخاطبة وزارة الداخلية لتنفيذ ذلك في الأوراق الرسمية.
مطلوب من الأقباط أن يتحركوا بنفس الطريقة، فالحكومة المصرية لا تعطي الحقوق مجانًا دون ثمن، في كل المرات التي يتظاهر فيها المصريون ويحتجون ترضخ الحكومة وتتراجع وتستمع إلى أصوات المحتجين بغض النظر عن المشكلة سواء كانت طائفية أو اجتماعية. حدث هذا مع مأموري الضرائب العقارية والصيادلة وعمال الغزل والنسيج ودير أبو حنس.

ثانيًا: رفع الأهالي مطالبهم بشكل وطني وليس طائفيًا وهذه النقطة مهمة جدًا، فالأهالي لم يذهبوا إلى الكنيسة ليحتجوا ولم يخاطبوا قياداتها في القاهرة للتحرك بديلاً عنهم. الأهالي احتجوا في شوارع القرية (محل الأزمة) وهددوا بالتظاهر أمام المحافظة (الجهة التنفيذية) واتخذوا الخطوات التي ينظمها القانون إضافة أنهم خاطبوا المسئولين الشعبيين ليضعوهم أمام واجبهم، فالأهالي انتخبوهم للدفاع عنهم وجاء دورهم.
هذا السلوك الراقي الذي يتسق مع مبادئ الدولة المدنية يجبر أي مسئول على الاستجابة، إضافة إلى أنه يحيد المتشددين من المسلمين علاوة على أنه يرفع الحرج عن الكنيسة ويخفف من حدة الاتهامات لها بلعب دورًا سياسيًا والقيام بتمثيل الأقباط أمام الدولة، وهو اتهام توجه قطاعات واسعة من النخبة للكنيسة.

ثالثًا: الاستخدام الجيد لوسائل الإعلام، يحلو للأقباط في كثير من الأحيان تجاهل الإعلام رغم خطورة دوره والرسالة التي يمكن أن يقدمها، وكان في المرات السابقة يخرج أحد الأقباط غير مؤهل للحديث إلى الصحافة والقنوات الفضائية ليقول أي "كلام" فلا يهمه عرض المشكلة بقدر اهتمامه بالشو الإعلامي، هذا الشخص عادة يعرض القضية بشكل خاطئ يسيء إليها ويفقدنا المتعاطفين معنا.
خلال أزمة "دير أبو حنس" جاء الوضع مختلفًا فعبّر الأهالي عن مطالبهم بشكل منظم وحقوقي، فقد أكد الأهالي على مكانة الاسم وأهميته وارتباطه بالتراث الثقافي والديني للقرية إضافة إلى المكانة الدينية التي يحتلها.
هذا الأمر جعل معظم وسائل الإعلام تنحاز إلى مطالب الأهالي مما مثل ضغطًا إضافيًا على المسئولين للاستجابة إلى أهل القرية.

رابعًا: عدم القبول بأنصاف الحلول أو تصديق الوعود، فقد أدرك الأهالي غدر الحكومة والتسويف الذي يقوم به بعض المسئولين وتراجعهم عن وعودهم، فتمسك الأهالي بحقهم إلى أخر لحظة ولم يرضخوا للوعود قبل اتخاذ إجراءات فعلية، فقد صدر قرار عن محافظ المنيا بالعودة إلى الاسم القديم لكن السجل المدني لم ينفذ واستمر في استخرج الأوراق الرسمية بالاسم "اللقيط"، فما كان من الأهالي إلا التظاهر مرة أخرى وتحريك الدعوى القضائية. وهذا ساعد في تراجع وزارة العدل صاحبة القرار المثيرة للجدل.

Ishak_assaad@yahoo.com