أكرم ألفي
نحن على موعد مع بداية مرحلة التحول الورقي، هذا التحول قاطرته هو جيل ألفا وصغار جيل "زد".. ففي ظل كثافة الحديث عن التحول الرقمي فإن الشباب الصغير الأقل من 19 عاماً يتجه إلى القراءة الورقية وهو ما ظهر في معرض الكتاب حيث كان اقبال الشباب الصغير على شراء الكتب الورقية ملحوظاً..
ففي زيارتنا العائلية للمعرض لاحظت أنه للمرة الأولى قرر اسر وسامر (17 و14 سنة) السير بمفردهما بحثاً عن كتب محددة وكانت المفاجأة شراء النجل الأكبر الحرب والسلام ليو تولستوي وحرص سامر على شراء نسخة من رواية المحكمة لكافكا.. وكان سؤالي لماذا؟ لمعرفتي المسبقة أنهم يقرأون الكتب على "كيندل" وكانت الإجابة هي :"القراءة على الورق أفضل جداً".. تعجبت من الإجابة وقررت البحث عن سر هذا التحول الورقي لهذا الجيل؟
لنبدأ من أن التكنولوجيا ساعدت الأجيال الأصغر على القراءة، فبحسب دراسة بريطانية فإن عدد الأطفال والمراهقين بين 6 و17 عاماً الذين يقرأون كتباً إلكترونية تضاعف خلال السوات الماضية، فقد كانت الكتب الإلكترونية بمثابة وسيلة لتشجيع الصغار على القراءة ولكن انغماس الصغار مع الشاشات دفعهم للبحث عن التجديد لمحاربة الملل ومحاربة الشاشات التي تسعى للاستحواذ عليهم فكان الملجأ هو الكتاب الورقي.
صديق من الناشرين المصريين تحدث معي إني قد أكون مبالغاً، فما يباع اليوم من الكتب أقل من الماضي القريب.. هنا إجابتي ان المهيمن على سوق الكتب مازال "نحن" هؤلاء الذين ولدوا في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، هؤلاء الذين انبهروا بالتحول الرقمي والكتب الرقمية والمواقع التي توفر الكتب بسهولة عبر اشتراك شهري او بدون اشتراكات ولكن علينا أن نقارن عدد الصغار الذين كانوا يشترون الكتب الورقية أمس واليوم وستكون النتيجة هي أن عدد أكبر من الصغار أصبحوا يشترون الكتب الورقية ويحبون الجلوس للقراءة الورقية.
تشير دراسة بريطانية إلى أن الأطفال يشعرون بعد الانتهاء من قراءة كتاب إلكتروني أنهم لم يحتفظوا بالمعلومات كما يحدث مع الكتاب الورقي فاصبحوا يعتبرون أن الكتاب الورقي مفيد أكثر من نظيره الإلكتروني. إن بحث الصغير عن التفاعل مع الملموس يدفعه إلى حب الكتاب الورقي مقارنة بالكتاب الإلكتروني.. ولكن يبقى السؤال هل نوفر المحتوى؟
إن العالم اليوم يعرف أن الصغارأصبحوا كباراً!.. أي أن الصغار لا يقرأون كتب الأطفال بل يبحثون عن تولستوي وكافكا وعودة موضة ماركس وفرويد ونيتشة.. فمن يبحث عن دفع الصغار لقراءة كتب الصغار الكلاسيكية هو يبيع "الماء في حارة السقايين".
دور النشر المصرية عليها أن تدرك أن هناك جمهور جديد قادم وبقوة وعليها أن تستعد له بفهم تفضيلاته وليس البكاء على الأطلال، عليها أن تعرف أن التحول الورقي قد بدأ وأن الصغار يدركون اليوم تفوق المواد المطبوعة على المحتوى الرقمي، حيث إن الكتاب المطبوع أفضل بست مرات في تعزيز مهارات جيل "الفا"، صحيح أن القراءة من الشاشات كان لها تأثير إيجابي، إلا أنها كانت لا تزال أقل فائدة بكثير من القراءة المطبوعة.
عندما تستيقظ صباحا فتجد يوسف الصغير (9 سنوات) يقرأ كتاب مطبوع ويبعد عن الشاشة فتشعر أن الصغير يبحث عن الملموس ويبحث عن التغيير بعيداً عن ملل الشاشة.. ربما تجربة الأباء توفير كتاب في البيت وتركه بدون تعليماتنا المملة والمزعجة ستجعل البعض يقتنع أن الصغار ييحثون عن الورق وما يمنعهم هي محاولتنا فرض القراءة وبالتالي دفعهم إلى العصيان الطبيعي.
مرحباً بالتحول الورقي ومرحباً بجيل جديد قد يعيد للطباعة انتعاشها الذي تراجع على يد جيلنا (أبناء القرن الماضي) الذي دفع انبهاره "الطفولي" بالتحول الرقمي إلى ركود "مؤقت" في صناعة الكتب الورقية.
نقلا عن المصرى اليوم





