بقلم :عبدالخالق حسين فبعد أن تم اغتيالها، وما حصل بعد ذلك من كوارث على أيدي الجناة البعثيين، راح كثيرون يتساءلون فيما لو كانت ثورة تموز ضرورية، ويلومونها، ويحملونها مسؤولية جميع الفواجع التي نزلت على العراق فيما بعد، بدلاً من إلقاء اللوم على الانقلابيين والجناة الحقيقيين الذين قاموا باغتيال الثورة وإجهاض مسيرتها الحضارية. فقد بات مؤكداً لدى كل منصف وذي ضمير، أنه لو لم تحصل جريمة 8 شباط 1963 لحققت الثورة معظم مشاريعها التي وعدت بها، وفعلاً استجابت حكومة الثورة بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم، لمعظم استحقاقات التاريخ المتراكمة، وأنجزت خلال عمرها القصير، معظم برنامجها العمراني الذي وضعته اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، إضافة إلى تحقيق الكثير من برامج الأحزاب المنضوية في جبهة الإتحاد الوطني، وخاصة برنامج الحزب الوطني الديمقراطي، ويشهد بذلك المؤرخ حنا بطاطو في كتابه عن تاريخ العراق الحديث. ذكرنا في ندوات ومقالات سابقة احتفاءً بهذه المناسبة، أن ما حدث يوم 14 تموز 1958 كان ثورة وليس انقلاباً، وذلك بشهادة أكاديميين عالميين مثل المستشرق الفرنسي ماكسيم رودنسون، الذي قال أن الثورة العراقية هي الثورة الوحيدة في البلاد العربية، والمؤرخ بطاطو أيد ذلك بما حققته الثورة من مكتسبات، وما حدث من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية. أما العوامل الذاتية (أداة التنفيذ) فكانت متوفرة في تنظيمين كبيرين، كانا يتمتعان بشعبية واسعة، وهما: الجناح العسكري المتمثل بتنظيم الضباط الأحرار، والتنظيم السياسي المدني المتمثل في أحزاب جبهة الاتحادي الوطني، إضافة إلى تعبئة الجماهير نفسياً وشعورها العارم بالحاجة إلى التغيير الثوري. والسؤل التالي هو، ما هي الظروف الموضوعية التي نمت في رحمها ثورة 14 تموز 1958؟ العداء المستفحل بين الشعب والحكومة هل كان العهد الملكي مستقراً ومزدهراً؟ ولنكن منصفين، نقول نعم كانت بدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة واعدة بمستقبل زاهر، ويعود الفضل في ذلك كما أعتقد بالدرجة الأولى إلى حكمة وحنكة المرحوم الملك فيصل الأول، وخبرته التي اكتسبها من تجربته الفاشلة في سوريا. فكان الرجل يتمتع بشخصية كارزماتية جذابة، ومؤثرة، وبزعامة روحية، فكان يحظى باحترام مختلف القيادات، السياسية والدينية والعشائرية، وكان يلتقي بقيادات المعارضة ويشرح لهم المصاعب التي تواجهها الدولة الفتية، ويعدهم بالاستجابة لمطالبهم وتحقيق طموحاتهم في الاستقلال الناجز وبمستقبل زاهر، وبأن الخير قادم على شرط أن لا يقوموا بأي عمل عنفي يزعزع أمن واستقرار الدولة. وكان الرجل متفهما بعمق لمشاكل العراق، ذكرها في مذكرة له وزعها على رجالات الحكم عام 1933، مبيناً فيها مشاكل الشعب العراقي والصراعات بين مكوناته وتفشي التذمر بينها من الحكومة، وعدم تجانسها، واقترح الحلول المطلوبة لتحويل هذه المكونات المتصارعة إلى شعب متجانس ومتماسك. وفعلاً سارت الأمور في عهده بسلام ماعدا المجزرة المروعة التي ارتكبها الفريق بكر صدقي ضد الآثوريين في غياب الملك، واستنكرها الملك بشدة، ويُعتقد أن كان لها دور في موته المفاجئ والمبكر من شدة الانفعال. كان الصراع عنيفاً ليس بين أفراد النخبة الحاكمة وبين المعارضة الوطنية فحسب، بل وحتى بين رجال الحكم أنفسهم. وكان الملك فيصل الأول عبارة عن صمام أمان ومركز الجذب يجذب إليه القيادات المتنافرة، يمنع الصدام فيما بينهم، محافظاً على تماسكهم الشكلي على الأقل. ولكن لسوء حظ الشعب العراقي أن الملك المؤسس توفي في وقت مبكر بعد أشهر من كتابة مذكرته المشار إليها. ومنذ وفاته، لم ير العراق أي استقرار حتى هذه الساعة، إذ انفرط العقد بين قادة الكتل الحاكمة مثل ياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني، ونوري السعيد، وحكمت سليمان وغيرهم،، فبدأت الصراعات الدموية فيما بينهم تظهر على السطح بعد وفاة الملك، فما أن يترأس الوزارة أحدهم حتى ويتآمر الآخرون على الحكومة، فيحركون العشائر ضدها في انتفاضات عشائرية مسلحة هنا وهناك مما تضطر الحكومة بمواجهتها بالقسوة المفرطة. وهذه المسائل مدونة في كتب تاريخ العراق الحديث ومذكرات أقطاب ذلك العهد. ومن نتائج هذه الصراعات بعد وفاة الملك المؤسس، تدشين عهد الانقلابات التي بدأت بانقلاب بكر صدقي عام 1936، وما تلاه من انقلابات عسكرية أخرى. كذلك شهدت البلاد سلسلة من الانتفاضات الشعبية والوثبات الوطنية، والتمردات العشائرية المسلحة طوال تاريخ العهد الملكي، وكانت الحكومة تواجهها جميعاً بالبطش المفرط وإصدار القرارات التعسفية بمصادرة الحريات العامة، وملء السجون بالمعتقلين السياسيين، كما وتم قتل متظاهرين أمام السفارة البريطانية عام 1946، وقتل أكثر من أربعين من عمال النفط المضربين في مجزرة كاور باغي في كركوك في العام نفسه، إضافة إلى قتل متظاهرين في شوارع بغداد في وثبة كانون 1948 التي حوكم وأعدم على أثرها قادة الحزب الشيوعي العراقي عام 1949. وفي انتفاضة تشرين 1952 أستشهد متظاهرون. كما وقتلت الشرطة بأمر من السلطات العليا عشرات السجناء السياسيين بالرصاص في سجن الكوت وسجن بغداد المركزي عام 1953، لا لشيء إلا لأنهم اضربوا عن الطعام احتجاجاً على سوء أوضاعهم داخل السجن. ومن الأدلة الأخرى على عدم الاستقرار في العهد الملكي، أن تألف في ذلك العهد 16 مجلساً نيابياً، أستكمل مجلس نيابي واحد فقط دورته الاعتيادية وهي أربعة أعوام. كما وأُعلِنت الأحكام العرفية 16 مرة بين عامي 1921-1958، أي نحو 50% من العهد الملكي كان تحت الحكم العرفي العسكري، إضافة إلى انتهاكات ضد الدستور مثل إسقاط الجنسية عن العديد من المعارضين من مختلف الاتجاهات السياسية، كما وتفشت ظاهرة التعذيب على أيدي أجهزة الأمن وغيرها من الانتهاكات مثل قيامه بإعدام قيادة الحزب الشيوعي العراقي دون أي مبرر إلا بسبب الاختلاف الأيديولوجي ورغم ادعاء النظام بالديمقراطية الليبرالية. حول شخصية نوري السعيد إحدى المشاكل في ثقافتنا المورثة هي المبالغة. نحن نبالغ في إسباغ الصفات الحميدة على من نحب بحيث نجعل منه عبقرياً وملاكاً ونرفعه إلى أعلى العليين، أما إذا كنا نبغضه فنحط به إلى أسفل السافلين ونضفي عليه أسوأ صفات العمالة والخيانة. فنوري السعيد عند خصومه وخاصة بعد عقدين من الثورة، هو خائن للوطن وعميل للاستعمار الانكليزي، والآن وبعد حلول الكوارث، تحرك البندول إلى الطرف الآخر، فصار نوري السعيد ليس وطنياً مخلصاً فحسب، بل وعبقرياً وداهية في السياسة دوَّخ الإنكليز والأمريكان وغيرهم وكان يأخذون حذرهم منه!!. لذلك وبعد أن هدأت الأعصاب، وبدأنا نعيد النظر في قراءة التاريخ بهدوء، وما حل علينا من كوارث، أود التأكيد، وحسب آراء الكثيرين من المؤرخين المعتدلين، أن نوري السعيد وغيره من رجالات العهد الملكي لم يكونوا خونة أو عملاء للاستعمار، بل جميعهم كانوا وطنيين ونزيهين ومخلصين للعراق، ومعظمهم ماتوا فقراء. ولكنه في نفس الوقت لم يكن نور السعيد عبقرياً أو داهية دوَّخ الإنكليز وغيرهم، فلو كان كذلك لسار على نهج الملك فيصل الأول في التعامل مع قادة المعارضة واحترم الرأي العام العراقي والعربي، وتعامل معهم على قدر عقولهم كما تقتضيه ظروف المرحلة، ولعرف أن السياسة فن الممكن، ولانحنى أمام العواصف دون أن ينكسر، تماماً كما عمل العاهل الأردني ملك حسين بمنتهى الحكمة فانحنى أمام العواصف، وبذلك أنقذ شعبه من الهزات العنيفة. ولكن بدلاً من ذلك، لجأ نوري السعيد وغيره من رؤساء حكومات العهد الملكي إلى سياسة القمع ضد كل من يعارضهم وتحدي العواصف والاستهانة بالجماهير والرأي العام، دون أن يدرك مخاطر سياساته تلك. ولذلك ساهم هو في تأجيج العداء ضده وإظهاره من قبل معارضيه بالشر المطلق. فنوري السعيد، رغم نزاهته ووطنيته، وأخلاقه الطيبة كإنسان، كان من أهم نقاط ضعفه أنه بقي على ثقافته العثمانية القديمة دون أن يتطور مع تطور المجتمع العراقي، ورفض الاستجابة لاستحقاقات التاريخ، واتبع سياسة القمع في فرض سياساته بغض النظر عن أهداف هذه السياسة فيما إذا كانت في صالح الشعب أو ضده. وكغيره من الزعماء العرب، كان مصراً على احتكار السلطة والتمسك بها إلى آخر لحظة من حياته، ولم يتخلَ عنها إلا عن طريق الموت الطبيعي أو إزاحته بالقوة. وهذا ما حصل له، وبالتالي جلب البلاء على نفسه وعلى العراق، وانتهى بتلك النهاية التراجيدية المؤسفة. |
المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع |
شارك بآرائك وتعليقاتك ومناقشاتك في جروبنا على الفيس بوك أنقر هنا |
أعرف مزيد من الأخبار فور حدوثها واشترك معانا في تويتر أنقر هنا |
تقييم الموضوع: | الأصوات المشاركة فى التقييم: ٠ صوت | عدد التعليقات: ٠ تعليق |