كيف يُعيد الانهيار الديموغرافي وشيخوخة المجتمعات تشكيل الاقتصادات والسياسة؟
أكرم ألفي
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦
أكرم ألفى
هذا ملخص وعرض لدراسة لـ Faig Mahmudov بعنوان How Demographic Collapse and Aging Societies Are Reshaping Economies and Politics.
لعقود طويلة، ركزت النقاشات العالمية على النمو السكاني والتوسع الحضري والأسواق التي يقودها الشباب. لكن هذا التوجه يتغير الآن. ففي أجزاء واسعة من العالم، تشيخ المجتمعات، وتتراجع معدلات المواليد، وتدخل مجتمعات بأكملها مرحلة انكماش ديموغرافي. هذا التحول ليس مفاجئًا، لكن عواقبه تتسارع. وما كان يبدو في السابق مجرد اتجاه إحصائي بعيد، أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الاقتصادات والأنظمة السياسية والأمن القومي وموازين القوى العالمية.
تتحرك اتجاهات السكان ببطء ولكن بثبات. وعلى عكس الأزمات المالية أو الصدمات السياسية، لا يمكن عكسها بسرعة عبر إعلانات سياسية. فبمجرد أن يشيخ المجتمع، تمتد آثاره عبر الأجيال. تتقلص أسواق العمل، وتتعرض أنظمة التقاعد لضغوط، ويتباطأ الابتكار، وتتغير الأولويات السياسية. لم يعد السؤال الديموغرافي يدور حول عدد السكان فقط، بل حول هويتهم وأعمارهم، ومدى قدرة الدول على الحفاظ على النماذج الاقتصادية والاجتماعية القائمة.
يشرح هذا الدليل الشامل أسباب بروز الانهيار الديموغرافي وشيخوخة المجتمعات بوصفهما من أقوى العوامل التي تُعيد تشكيل العالم الحديث.
ما هو الانهيار الديموغرافي، وكيف يختلف عن انخفاض عدد السكان؟
يشير الانهيار الديموغرافي إلى انخفاض مستمر في معدلات المواليد، مصحوب بارتفاع متوسط العمر المتوقع. قد يحدث انخفاض عدد السكان مؤقتًا نتيجة الهجرة أو الأزمات، أما الانهيار الديموغرافي فهو أعمق، إذ يعني انخفاض عدد الأطفال والعاملين، وشيخوخة السكان بصورة دائمة.
في العديد من المجتمعات، انخفضت معدلات المواليد إلى ما دون مستوى الإحلال السكاني، ما يعني أن كل جيل يصبح أصغر من سابقه. وحتى مع تعويض الهجرة لبعض الخسائر، يستمر التوازن العمري في الانحدار نحو الفئات الأكبر سنًا. لا تكمن المشكلة الرئيسية في انخفاض عدد السكان فحسب، بل في تراجع عدد الأشخاص في سن العمل الذين يدعمون تزايد أعداد كبار السن.
لماذا تنخفض معدلات المواليد في المجتمعات المتقدمة والمتوسطة الدخل؟
تتضافر عدة عوامل:
يؤدي التوسع الحضري إلى زيادة تكاليف المعيشة وتقليص المساحة المتاحة للأسر الكبيرة.
يؤخر التعليم والمشاركة في سوق العمل الزواج والإنجاب.
يعرقل عدم الاستقرار الاقتصادي خطط بناء الأسرة.
ترتفع تكاليف السكن ورعاية الأطفال بوتيرة أسرع من الأجور.
تهيمن القيم الثقافية المرتبطة بتحقيق الذات والاستقرار الوظيفي.
وتعزز هذه العوامل بعضها بعضًا، مما يجعل انخفاض معدلات المواليد خيارًا منطقيًا للعديد من الأسر.
ما المناطق الأكثر تأثرًا بالشيخوخة السكانية؟
لا تتوزع الشيخوخة بالتساوي.
تواجه شرق آسيا بعضًا من أسرع معدلات الانخفاض، مع تقلص القوى العاملة والزيادة السريعة في أعداد كبار السن. وتشهد أوروبا انخفاضًا طويل الأمد في معدلات الخصوبة بالتزامن مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع. وتتبع أجزاء من أمريكا الشمالية اتجاهات مماثلة، وإن كانت الهجرة تُخفف من حدتها.
وتشهد بعض الاقتصادات الناشئة شيخوخة سكانية قبل أن تصبح غنية، مما يحد من قدرتها على استيعاب الصدمة. وعلى النقيض من ذلك، لا تزال أجزاء من أفريقيا وجنوب آسيا تضم سكانًا شبابًا، لكن حتى هناك تتراجع معدلات الخصوبة بشكل ملحوظ ومتسارع.
كيف يؤثر شيخوخة السكان في النمو الاقتصادي؟
يعتمد النمو الاقتصادي على إنتاجية العمل والابتكار والاستهلاك. وتؤدي شيخوخة السكان إلى تقليص حجم القوى العاملة ما لم يُعوض ذلك بالهجرة أو الأتمتة.
ويستهلك كبار السن بصورة مختلفة، إذ يركزون أكثر على الرعاية الصحية والخدمات، وأقل على الاستثمار والنمو طويل الأمد. كما تميل روح المبادرة والمجازفة إلى التراجع مع تقدم المجتمعات في السن. ويتحول الإنفاق العام من البنية التحتية والتعليم إلى المعاشات والرعاية الصحية. هذه التغيرات لا تؤدي إلى انهيار فوري، لكنها تُضعف إمكانات النمو على المدى الطويل.
لماذا تتعرض أنظمة المعاشات التقاعدية لضغوط متزايدة؟
صُممت معظم أنظمة المعاشات عندما كان السكان أصغر سنًا وكان متوسط العمر المتوقع أقصر. ومع ارتفاع أعمار المتقاعدين وتناقص عدد العاملين، تتدهور نسبة المساهمين إلى المستفيدين.
تواجه الدول خيارات صعبة، منها:
رفع سن التقاعد، ما قد يثير مقاومة اجتماعية.
زيادة الضرائب، ما قد يبطئ النمو.
خفض المزايا، ما يزيد خطر الفقر بين كبار السن.
زيادة الاقتراض، ما ينقل العبء إلى الأجيال القادمة.
ولا يوجد حل سهل، وكلما طال التأجيل ازدادت صعوبة التعديلات.
كيف تُعيد الشيخوخة تشكيل أسواق العمل؟
يصبح نقص العمالة هيكليًا بدلًا من كونه دوريًا. ويواجه أصحاب العمل صعوبة في شغل الوظائف الشاغرة حتى خلال فترات التباطؤ الاقتصادي. وترتفع الأجور في بعض القطاعات، بينما تتراجع الإنتاجية في قطاعات أخرى. ويتسارع التوسع في الأتمتة، ليس بوصفه خيارًا، بل ضرورة. وتصبح الهجرة حاجة اقتصادية، حتى وإن ظلت مثار جدل سياسي.
لماذا تصبح الهجرة قضية سياسية حساسة في المجتمعات المُسِنّة؟
يزيد التغير الديموغرافي من الاعتماد على الهجرة، لكنه يُفاقم في الوقت نفسه مقاومتها. فالمجتمعات التي ترتفع فيها نسبة كبار السن تحتاج إلى عمالة لدعم الخدمات والقاعدة الضريبية. وفي المقابل، تتزايد المخاوف الثقافية المرتبطة بالهوية والانتماء. وتستغل بعض الحركات السياسية هذه المخاوف، رابطةً الهجرة بالتغير الاجتماعي.
والنتيجة مفارقة واضحة: اقتصادات تعتمد على المهاجرين، وسياسات تتحفظ عليهم.
