CET 08:42:24 - 15/08/2009

مقالات مختارة

بقلم: مفيد فوزي

كلما أعددت حقيبتي وهممت في السفر‏,‏ اكتشفت أنني أحمل معي همومي حيثما ذهبت‏,‏ علي شاطيء الجونة أو شاطيء كابري أو مصيف جمصة‏,‏ وليس معقولا أن أترك قلبي في القاهرة وأتحرر من عقلي لأبدو خفيفا رشيقا‏,‏ الواقع أننا مهما ارتحلنا‏..‏ تسافر معنا همومنا علي نفس ذات الطائرة وتقيم في نفس ذات الفندق وتنام وتصحو معنا‏..

‏ ويتبلور في الذهن معني‏(‏ الاجازة‏)‏ إنه مجرد تغيير في الوجوه وكسر لنمط التعود علي عادات بعينها‏,‏ تري العين صورا أخري وتسمع الأذن أصواتا أخري ويستنشق الإنسان هواء آخر‏,‏ لكن ذلك لا يمنع إقامة الهموم في فندق الذاكرة‏,‏ حيث تعرض لي شاشة الذات صورا ومشاهد بعيدة وكنت أظن أنها سقطت من ذاكرتي لكنها باقية ويدهشني استدعاؤها‏,‏ أنا من ذلك النوع من البشر الذي لا يكف عن‏(‏ المنولوج‏)‏ مع نفسي و‏(‏الديالوج‏)‏ مع الآخرين‏,‏ هناك تراكمات ألم تنغص علي متعة السفر كأن أتذكر حالات غدر أو حالات تحول وهنا أطفئ هذا الحريق بالعقل‏..‏

مدركا أن لوحة الحياة لا تخلو من خطوط عبثية بريشة النفس البشرية‏,‏ انهمك مع الأصدقاء والصديقات رفقاء السفر ولكن ذلك لم يمنع الجدل الذهني بيني وبين عقلي‏,‏ لقد كان الايطالي مورافيا يقول‏(‏ الرحيل يلهيني ويحررني‏)‏ فهل الرحيل يلهي ويحرر أم أنه يلقي بي علي شاطئ الحيرة؟

شاطئ ليس له عنوان وليس له بحر ورمل ترسو عليه قوارب ويخوت‏,‏ شاطئ الحيرة ممتد بسعة الأفق وربما ضيق كثقب ابرة ومن خصائص شاطئ الحيرة أن السباحة فيه مع التيار أو ضده‏,‏ هاجت الأمواج أو كانت خافتة‏,‏ لا راية سوداء في هذا الشاطئ تحذر من العوم‏‏ أتمدد علي شاطئ الحيرة في هذه الصيفية وأقيم حوارا جدليا ذهنيا‏,‏ فربما كان الجدل الذهني من شروط المعرفة‏,‏ ولكن هل هذا الجدل فيه متعة؟ إن لذة‏(‏ المقامر‏)‏ أكثر متعة‏,‏ ولذة‏(‏ السباحة‏)‏ أكثر متعة‏:‏ ولكني أجد المتعة في الفرجة علي أحواض السمك وكأني أشاهد لوحة الحياة لهذه الكائنات‏,‏ أجد المتعة في مشاهدة فيلم بوليسي يسمرني في مقعدي ويشركني في الاحتمالات‏,‏ ساعتها يكف ذهني عن الجدل‏,‏ غريبة‏,‏ ألا نعرف في حياتنا ألف باء ثقافة الفرح‏..‏؟ هل صار الضحك شحيحا في الأسواق؟ واذا تحررت قليلا من همومي الخاصة الساكنة القلب ولعقل‏,‏ فلا أستطيع التحرر من الهموم‏(‏ العامة‏)‏ لوطن أسكنه ولا أملك أن‏(‏ اشتري دماغي‏)‏ وأجلس في مقاعد المتفرجين أو انسحب‏.‏

أتمدد علي شاطئ الحيرة وقت الأصيل‏,‏ أجمل ساعات النهار عندي‏,‏ واتساءل في جدل ذهني‏,‏ عند نقاشنا‏,‏ ماذا يجري في المجتمع؟ هل نتمسك بوثنية الماضي؟ هل يأتينا البصر حادا بينما نفقد البصيرة أمام الجديد والحديث؟

أسمع أصواتا ـ عبر الجدل الذهني ـ تقول‏:‏ عندما يئن الجهاز الهضمي من الجوع‏,‏ فلا مجال لعقل أن يفكر ولا مجال لمخاطبة جائع بقيمة الانتماء والمشاركة‏,‏ إن الضغوط تحاصر إنسان هذا العصر‏,‏ فأنا لا أستطيع‏(‏ أن أنام مطرح ما يجيني النوم‏)‏ وليس صحيحا‏(‏ محلاها عيشة الفلاحة‏)‏ ولا عادت الحبيبة تقول‏(‏ يامسافر وحدك وفايتني لمين؟‏)‏ فالنوم أمل لمعظم الناس في زمن الأرق‏,‏ وعيشة الفلاحة هباب بعد أن دخل الدش وهاجرت للبندر‏,‏ والحبيب اينما سافر يدركه الموبايل الذي ذبح الأشواق‏.‏

أتمدد علي شاطئ الحيرة وأفكر‏:‏ هل بالفعل للحرية مساوئ أقل بكثير من كبحها؟ وهل نهوي تفريغ أحزاننا في الآخرين وتمزيق ثيابهم لنستريح؟

أتمدد علي شاطئ الحيرة وأفكر في المرأة‏..‏ رهينة مزاجها‏,‏ فبعد قليل هي امرأة أخري وبعد كل قيد تكسره هي امرأة ثالثة‏,‏ وفي أعقاب أي جرح‏,‏ هي امرأة رابعة‏,‏ ولكن من هي بالتحديد؟ هل كل هؤلاء النساء في واحدة؟ هل هناك مسميات أخري في التعامل معها؟ الاجابة‏:‏ نعم‏,‏ نحن الرجال نقول علينا باحتوائها والصحيح هو علينا بترويضها‏.‏

أتمدد في الصيفية علي شاطئ الحيرة‏,‏ وأفكر في‏(‏ أحوال‏)‏ البلد‏,‏ أفسر‏(‏ الصخب‏)‏ المتعالي هنا وهناك‏,‏ سبب الصخب عندي اننا ـ كعرب ـ ظواهر صوتية‏,‏ أتساءل‏:‏ هل نحن قادرون علي‏(‏ الهمس‏)‏ حين نفسر أنفسنا؟ الإجابة‏:‏ لا‏,‏ لان الهمس لغة للنطق‏,‏ وليس المنطق في قاموس حياتنا‏,‏ وأتساءل‏:‏ هل المغامرات الفكرية والأدبية التي تتعرض للثوابت الدينية الوجدانية‏..‏ تحسب للابداع أم تنتقص من رصيد الثوابت؟ وهل‏(‏ القبلية‏)‏ جزء من نمط أفكارنا أم هي من أخلاق العصر الزراعي؟ ولماذا نحن‏(‏ مفتونون‏)‏ بحضارة الماضي وآثار الماضي وتاريخ الماضي وفن الماضي‏,‏ أليس لنا‏(‏ حاضر‏)‏ يفتننا؟ وماذا بعد الفتنة؟ هكذا تساءلت وأنا وحدي بعيدا عن أرض الوطن‏,‏ الشهرة والمجد والثروة والسلطة‏,‏ نتطاحن من أجلها ولا ندري أنها‏(‏ تطحننا‏)‏ ولا يبقي منا سوي هياكل آدمية‏.‏

أتمدد علي شاطئ الحيرة‏,‏ أسبح بعقلي في بحار الفهم‏,‏ أنزل أعماقا ولا أغرق وأنا الذي لم أتعلم السباحة‏,‏ تصادفني أسماك القرش من البني آدمين‏,‏ أرتمي ـ بإيمان بلا حدود ـ بين يدي الخالق أطلب منه الصفح والصلح والتصالح مع النفس‏..‏ لأتصالح مع العالم‏!‏

*نقلاً عن الأهرام

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع
شارك بآرائك وتعليقاتك ومناقشاتك في جروبنا على الفيس بوك أنقر هنا
أعرف مزيد من الأخبار فور حدوثها واشترك معانا في تويتر أنقر هنا
  قيم الموضوع:          
 

تقييم الموضوع: الأصوات المشاركة فى التقييم: ٠ صوت عدد التعليقات: ٠ تعليق

خيارات

فهرس القسم
اطبع الصفحة
ارسل لصديق
اضف للمفضلة

جديد الموقع