سحر الجعارة
(أنا وديت ولادك الجنة يا محمد).. هذه رسالة «حنان محمد أبوالنجا»، ٣٣ عاماً، خريجة كلية تربية قسم لغة عربية، إلى الدكتور «أحمد كريمة»، أستاذ الفقه المقارن المتفرغ: «حنان» تركها زوجها وسافر للسعوية للعمل كمدرس لغة إنجليزية.. ووفقاً لكلام «كريمة» ذائع الصيت فمن حقه أن يتزوج بأخرى «سراً» حتى لا يقع فى «الفاحشة».. أما أقصى حقوق حنان فهى أن تطلب الطلاق لتحصل عليه «خلعاً» فتسقط عنها حقوقها الشرعية أو للضرر بعد أن تضيع سنوات طويلة من عمرها.. ووفقاً لصاحب النظرية «من حق حنان أن تتزوج»، وهنا تسقط عنها حضانة أطفالها وقد تلحق بأبيهم وضرتها فتُحرم من رؤيتهم ثانية!

«حنان منتقبة»: حتى لا تصير «حلوى مكشوفة» فى مجتمع يتحرش بغير المحجبة ويسمع عتاة الشيوخ (أبرزهم عبدالله رشدى) يحرضون على انتهاك حرمتها فى الشارع بزعم أنها «أسقطت رخصتها الشرعية أى الحجاب».. ربما سمعت منهم أيضاً أنها ستلقى زوجها فى الجنة بصحبة «حور العين» وأنها ستلحق بأطفالها، فهى لم تجد نعيماً على الأرض.. لم تستطع «حنان» أن تتصدى للمجتمع الذى أرهبها واعتقلها خلف ستائر السواد فتكفنت به على أمل أن تحصل على نصيبها العادل فى الآخرة.

«حنان مكتئبة»: الآن فقط يتحدث المجتمع بأسره عن «اكتئاب ما بعد الولادة»، تقول الدكتورة «هالة حماد»، استشارى الطب النفسى، إن اكتئاب ما بعد الولادة يجعلها تعتقد أن هناك شيطاناً قد يحاول التخلص من أبنائها (وارد إن الزوج لامها لعدم رعايتها لابنها الصغير، أو هددها بالزواج من أخرى، وربما يكون فى علاقة أخرى، والأم شعرت بأنها وأطفالها عبء على الزوج، وهى متألمة من حاجة اتقالت لها).

هذا واحد من أشكال الظلم والجرائم التى تترتب على عدم تقييد «تعدد الزوجات».

«برج الوحدة»: دون التفاف على الأمر، ألم تعانِ «حنان» من الوحدة؟.. هل هى تمثال رخام بارد؟.. أليس لديها قلب يحتاج إلى حنان وعطف واحتواء؟.. لقد حاولت أن تكون ملاكاً فتجردت من إنسانيتها وقتلت أطفالها الثلاثة.. بعد أن حيّدت مشاعرها طويلاً فلم تشتك غياب الزوج ولا احتياجها إليه «معنوياً وحسياً».

هذا المجتمع يربى الأنثى على أن كل دورها فى الحياة الزوجية أن تطهو وتحمل وتنجب، ويعنفها إن أهملت رغبات زوجها بعد الإنجاب، يربيها على الصبر وتحمُّل مشاق العمل فى المنزل وخارجه.. على الطاعة العمياء.. على الخرس، فحين تنطق يتحول الكلام إلى «جريمة»: (عايزين تعلموها الثقافة الجنسية؟! بلاش قلة أدب)!

«القاتلة - البريئة»: لم تعد حنان بريئة تماماً، لم تعد حية حتى لو كانت تتنفس.. لقد تحالف الأغبياء جميعاً على «اغتيال إنسانيتها»، من روّج لختان الإناث ومن شرعن ضرب الزوجات والعنف الأسرى.. من أفتى بالزواج سراً للمغترب ومن ماطل فى تشريع منصف للأحوال الشخصية.. من تفنن فى اختراع النقاب وموضات الحجاب ومن أسّس لفقه المراحيض بدلاً من شراكة الزوجين على أسس «المودة والسكن والرحمة».. من حوّلوا المرأة إلى وعاء إنجاب ومكافأة فى الجنة.. من أفتى بزواج الطفلة فى بطن أمها ونكاح الوداع: هذه هى الفاحشة يا شيخ «كريمة»!

«نهاية المأساة»: اختارت «حنان» أن تنهى مأساتها بأسلوبها المؤثم شرعاً والمجرّم قانوناً، اختارت النهاية التى نرفضها جميعاً ونقف ضدها بقوة.. لكننا حرمناها حتى هذا الاختيار.. إنها فى أفضل الأحوال «فاقدة الأهلية» ربما يصل الحكم عليها إلى الإيداع بمصحة نفسية «محرومة من ضناها ومن زوجها».

نحن يا «حنان» بشر مثلك، لسنا آلهة ولا ملائكة، نحن غلاظ القلوب لا نقبل الوسيلة التى اخترتها للوصول لعدل ربنا ورحمته.. نحن سنقف بينك وبين جنتك المشتهاة بالتريند والهاشتاج، بالأعراف والقوانين والشرع.. لقد حاكمناك وأصدرنا حكمنا: مريضة نفسياً ولكن.. ظلمت نفسها ولكن.. قاتلة ولسنا أبرياء مثلك من دم أطفالك.
نقلا عن الوطن