بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لماذا لم يظهر المسيح علانية لكُل البشرية بعد قيامته كما صُلب علانية، وإنما ظهر للتلاميذ والرُسل، ولمجمُوعات مُعينة؟!

أولاً: كان لابد من إعلان حبه للبشرية كُلها بصلبه علانية، فهُو حمل الله الذي يرفع خطية العالم، أما القيامة فهي هبة تُعطى للمُشتاقين إليها، وإلى المُخلّصين في التعرف على المسيح القائم من الأموات..

ثانياً: لو ظهر علانية للجميع، لظنُوا أنه مُجرد ظهُور لشخصه، وليس قيامة من الأموات، فالتلاميذ أنفُسهُم مع سماعهُم عدة مرات عن قيامته قبل صلبه، وظهوره لهُم ولمسه، بل واشترك مع بعضهُم في الأكل (لو43:24)، ومع كُل هذا كانُوا في حالة اضطرابٍ وارتباكٍ، إذ لم يكن من السهل قبُول قيامة ميت، لهذا أراد الرّب بكُل الطرق تأكيد قيامته لهُم بكُل وسيلة حتى يكُونُوا شهُوداً لها في كرازتهُم في العالم أجمع..

بعد قيامته وظهُوراته لهُم كانُوا في ارتباكٍ، مع شعُورهُم بثقل المسُؤلية، بل واستحالة تحقيق رسالتهُم المُوكلة إليهُم، لهذا حدثهُم عن: الأمُور المُختصة بملكُوت الله، ليس كالأحاديث التي سبقت قيامته، إنما أحاديث عملية بالكشف عن شخصه لهُم، حتى يدركُوا أن ملكُوت الله هُو: 

التعرف عليه، والتمتع بحبه، والشركة معه..
فالملكُوت هُو: لقاء حيّ عملي معه، كما كشف لهُم عن إرسالية الرُوح القُدس الذي يسكُن بغنى فيهُم ويهبهُم القُوة للشهادة له، فيتحقّق ملكُوت الله في قلُوب الكثيرين في العالم كُله، فالرّب يسُوع رد تلاميذه إلى السلام بأحاديثه عن المستقبل، راجع (يو14؛ 15؛ 16؛ 17)..

قد أعطي لكُم أن تعرفُوا سرّ ملكُوت الله، وأما الذين هُم من خارجٍ
فبالأمثال يكُون لهُم كُل شيءٍ، لكي يُبصرُوا مُبصرين ولا ينظرُوا،
ويسمعُوا سامعين ولا يفهمُوا، لئلاّ يرجعُوا فتُغفر لهُم خطاياهُم...
كيف يكُون هذا؟ ألا يُريد السيد من البشرية أن تفهم تعليمه، 
وتتمتع بخلاصه، وتنال غفران الخطايا؟! (مر10:4-12)..

(1) إنه يليق بنا فهم كلمات السيد بالفكر اللاهوتي الذي كان للكنيسة الأولى في ذلك الوقت، فكلماته تُميز بين مجموعتين: الذين له مع الاثني عشر، والذين هُم في الخارج، فإن سرّ الملكُوت لم يُعلن للاثني عشر وحدهُم، بل للذين التفُوا حوله في كنيسته.. 

أما الذين في الخارج فهُم اليهُود رافضُو الإيمان به، فمَن يتمتع بالحياة الكنسية ويكُون تابعاً له يُنعم بقلب مُنفتح يُدرك سرّ ملكُوت الله، أما الذي يبقى في الخارج، فلا يقدر أن يُدرك السرّ في أعماقه، بل يُحرم نفسه بنفسه من المعرفة الإيمانية الحيّة، فيبصرُوا بأعينهُم الجسدية ويسمعُوا بأذانهُم المادية، أما أعماقهُم فلا ترى ولا تسمع، وهكذا لا يرجعُون إلى المُخلّص يسُوع، ولا يتمتعُون بغفران خطاياهُم وآثامهم..

(2) قدم الرّب تعاليمه علانية للجميع، لكن الأمر يحتاج إلى التمتع بإعلان السرّ، هذا السرّ يُعطى لكُل نفس تأتي إليه مع الاثني عشر، لتنفرد به وتنعم بعمله الخفي فيها، إن كان ملكُوت الله يُشبه لُؤلُؤة كثيرة الثمن، فالله لا يبخل أن يُعطيها لكُل إنسان يتقدم إليه في جدية يسأله إياها، فكلمة الله تُقدم مجاناً، لكنها لا تُعلن إلا لمَن يشتاق إليها طالباً معرفة سرّ ملكُوت الله، الأمر الذي نلمسه بقُوة في مُعلمنا بُولس (1كو7:2؛ أف19:6)..

بنفس الفكر نجد السيد المسيح، يُقدم حياته مبذُولة على الصليب علانية، لكن لا يستطيع أحد أن يتفهم سرّ الصليب إلا الراغب في الالتقاء معه، ليتعرف على قُوة قيامته، فالصليب تمت أحداثه أمام العالم كُله، أما القيامة فيختبرها الراغبُون في التمتع بعملها فيهُم، هُؤلاء الذين يصعدُون مع التلاميذ والرُسل في عُلية صهيُون يترقبُون ظهُوره.. 

(3) كان اليهُود يحسبُون الأمم في الخارج، إذ لا ينعمُون بما تمتع به اليهُود من آباء وأنبياء وشريعة مُقدسة ومواعيد إلهية، والآن في هذا المثل يكشف لهُم الرّب أن الذين في الخارج هُم اليهُود الذين مع ما تمتعُوا به من هذه الأمُور، رفضُوا الدخُول إلى سرّ الملكُوت، فصارُوا يبصرُون السيد يُخرج الشياطين فيقُولُون به شيطان، ويُبصرُون القائمين من الأموات، مثل لعازر، فلا يسجدُون له ويخضعُون، بل يُفكرُون في قتله..

وقال لهُم: الحقّ أقُول لكُم: إن من القيام ههنا قوماً لا يذُوقُون الموت حتى يروا ملكُوت الله قد أتى بقُوةٍ، جاء هذا الوعد تكملة لحديث السيد المسيح عن حمل الصليب، واهتمام الإنسان بخلاص نفسه، والتمتع بمجد ملكُوت الله عند مجيء ابن الإنسان: كيف تحقق هذا الوعد؟ هل وُجد من معاصري المسيح مَن لم يذق الموت؟! (مر1:9).. 

أولاً: أن هذا الوعد قد تحقق بتمتع ثلاثة من التلاميذ بتجلّي المسيح خاصة وأن الحديث عن التجلّي جاء بعد الوعد مباشرةً، فالتجلّي في حقيقته هُو تمتع بمجد المسيح، وبهائه الإلهي بالقدر الذي احتمل التلاميذ رُؤيته، فقد عاين بُطرُس ويعقُوب ويُوحنا مجد القيامة فلم يعرفُوا الموت..

ثانياً: أن ملكُوت الله الذي أتى بقُوة، إنما الكرازة بالإنجيل وسط الأمم، فقد دُعيت كنيسة العهد الجديد ملكُوت الله، وقد شاهد بعض التلاميذ هذا المجد العظيم وهُم بعد في الجسد، إذ تمتعُوا بيوم الخمسين حين حلّ الرُوح القُدس في العلية، ونظرُوا الهيكل القديم قد تحطم بينما انطلقت الكرازة إلى كثير من عواصم العالم الوثني، رأوا ملكُوت الله ظاهراً بوضُوح ومُعلناً في حياة وسلوك الناس ضد مجد العالم الزائل الفاني.. 

ثالثاً: أن هذا الوعد الإلهي قائم على الدوام، يتمتع به المُؤمنُون في كُل جيل حين تدخل نفُوسهُم إلى بهاء مجد الله الداخلي، ويُعلن الملكُوت فيهُم دُون أن يذُوقُوا موت الخطية، أو يغلبهُم الموت (إبليس)..

أن الإنسان في ضعفه يحتاج لا أن يتمتع بوعد أبدي فحسب، وإنما يذُوق عربُون هذا الوعد هُنا في الحياة الحاضرة، فما وعد به السيد هُنا إنما يُقدمه لكُل إنسان يكُون قائماً معه أي يتمتع بحضرة الرّب والشركة معه، فلا يذُوق موت الرُوح، بل ينعم بقُوة الملكُوت الإلهي في حياته..

بالتأكيد شاق عليك جداً أن تحمل الصليب، وتعرض حياتك للأخطار وجسدك للموت، وتتخلى عن ذاتك لتنال ما لا تملكه هُنا، صعب على البشر أن يعيشُوا على الرجاء وحده، فيتعرضُوا للمخاطر من أجل التطلع إلى بركات الحياة المُقبلة مُتخلين عن الخيرات الحاضرة، لذلك إذ لم يشأ الرّب أن يسقط أحد تحت نير اليأس والقلق، فيسند الضعف بالخيرات الحاضرة، ويسند القُوة بالخيرات المُقبلة، أي يُعيننا هُنا بعربُون الملكوت الداخلي، ويكافئنا هُناك في الأبدية بكمال مجد الملكُوت الأبدي..