بقلم الأب يسطس الأورشليمى
ولما كانت عشية ذلك اليوم، وهو أول الأسبوع، وكانت الأبواب مُغلّقة حيثُ كان التلاميذ مُجتمعين لسبب الخوف من اليهود، جاء يسُوع ووقف في الوسط، وقال لهُم: سلامٌ لكُم!! ولما قال هذا أراهُم يديه وجنبه، ففرح التلاميذ إذ رأوا الرّب، فقال لهُم يسُوع أيضاً: سلامٌ لكُم!! كما أرسلني الآب أرسلكُم أنا ولما قال هذا نفخ وقال لهُم: اقبلوا الرُوح القدُس، مَن غفرتُم خطاياه تُغفر له ومَن أمسكتُم خطاياه أمُسكت (يو19:20-23)..
تُعلّمنا الكنيسة في الأسبوع الأول من الخمسين المُقدسة عمل القيامة في حياتنا، وهي نزع الخوف، وترسيخ مباديء السلام والمُصالحة والغفران، ففي أثناء الخوف المُسيطر على جماعة التلاميذ من مستقبلهم مع اليهود ولاسيما بعد موت المسيح، يُفاجئهُم السيد المسيح بمجيئه في وسطهُم والأبواب مُغلّقة لينزع منهُم الخوف بقوله: سلامٌ لكُم!!
فهي زيارة سلام، وتعضيد للقلوب الخائفة في تلك العلية المُجتمعين فيها، لينهض بروحياتهُم ويقوي إيمانهُم وعزيمتهم، ويعرفوا أنهُم رُسل المستقبل القريب الذين يكرزون بالقيامة، وسلام القيامة الذي ملك على قلوبهم ولاسيما بعد أن أراهُم المُخلّص أنه هو، وشاهدوا مكان الحربة والمسامير ليتذكروا أنهم أهل السلام السماوي المُعطى لهُم من المُخلّص إله السماء كما قال لهُم: سلاماً أترُك لكُم، سلامي أعُطيكُم، ليس كما يُعطي العالم أعُطيكُم أنا، لا تضطرب قلوبكُم ولا ترهب (يو27:14)..
ومن خلال كرازتهم بالسلام، الذي ملأ قلوبهم بعد زيارة المُخلّص يتحقق قول الرّب: طوبى لصانعي السلام، لأنهُم أبناء الله يدعون..
وعلى هذا الإيمان تطلب الكنيسة في صلواتها دائماً وتقول:
يا ملك السلام أعطنا سلامك، قرر لنا سلامك، واغفر لنا خطايانا، وهي مُتأكدة أن الرّب يسُوع المسيح في زيارة دائمة لها، صوته يرن في أذانها قائلاً: سلامٌ لكُم، أنا هو لا تخافوا..
ولما قال هذا نفخ وقال لهُم: اقبلوا الرُوح القُدس، مَن غفرتم خطاياه تُغفر له، ومَن أمسكتُم خطاياه أمُسكت، أما توما أحد الاثني عشر الذي يقال له التوأم، فلم يكن معهُم حين جاء يسُوع، فقال له التلاميذ الآخرون: قد رأينا الرّب! فقال لهُم: إن لم أبُصر في يديه أثر المسامير، وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه، لا أومن، وبعد ثمانية أيام كان تلاميذه أيضاً داخلاً وتوما معهُم، فجاء يسُوع والأبواب مُغلّقةٌ، ووقف في الوسط وقال: سلامٌ لكُم!! ثم قال لتوما: هات إصبعك إلى هنا وأبصر يديّ، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مُؤمن بل مُؤمناً، أجاب توما وقال له: رّبي وإلهي، قال له يسُوع: لأنك رأيتني يا توما آمنت!! طوبى للذين آمنوا ولم يروا، راجع الكتاب (يو22:20-28)..
كلام كُله صدق، فهو الذي قال: السماء والأرض تزولان، ولكن حرف من كلامي لا يزول، وزاد الكلام جمالاً بعدما قام السيد من بين الأموات، مُعطياً نفخة الرُوح القدُس لجماعة التلاميذ، وسُلطان الغفران لهُم، وفي حضوره مرة أخرى بعد ثمانية أيام يأتي ليُعطيهُم سلاماً، ويُؤكد حقيقة قيامته لتوما الشكاك ليرد قائلاً: رّبي وإلهي، فنعم الكلام والسُلطان المُعطى، والإيمان المُعلن، فكان كُل ذلك أساس التعليم الكنسي الرسُولي..
كتبت إليكم أيها الآباء، لأنكم قد عرفتُم الذي من البدء، كتبت إليكم أيها الأحداث، لأنكم أقوياء، وكلمة الله ثابتةٌ فيكم، وقد غلبتُم الشرّير، لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم، إن أحب أحدٌ العالم، فليست فيه محّبة الآب، راجع الكتاب المقدُس (1يو14:2-17)..
قال له يسُوع: لأنك رأيتني يا توما آمنت!! طوبى للذين آمنوا ولم يروا، وآياتٍ أخر كثيرةً صنع يسُوع قدام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب، وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسُوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياةٌ باسمه، راجع الكتاب (يو29:20-31)..
في ختام لقاء المُخلّص القائم، والمُنتصر على الموت مع جماعة تلاميذه بما فيهم توما مدح الرّب كُل مُؤمن آمن خلاف توما الذي لمس وشاهد وعاين ثم أنعم الرّب عليهُم بكم من الآيات يجعلهُم يكرزوا بثقة وإيمان وفرح، كما يقول المزمور: رنّموا للرّب ترنيمةً جديدةً، لأنه صنع عجائب، خلّصته يمينُه وذراع قُدسه، أعلن الرّب خلاصه، لعيون الأمم كشف برّه، ذكر رحمته وأمانته لبيت إسرائيل، رأت كُل أقاصي الأرض خلاص إلهنا، اهتفي للرّب يا كُل الأرض، اهتفوا ورنموا وغنوا، رنموا للرّب بعودٍ وصوت نشيدٍ، بالأبواق وصوت الصور اهتفوا قدام الملك الرّب (مز1:98-6)..
هذه هي المسيحية في عمقها مبنية على السلام الروحي، والكلام الذي يبني النفس بالإيمان والنعمة، كما يقول: إن كنتُم قد سمعتموه وعُلّمتم فيه كما هو حقٌ في يسُوع، أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد .. وتلبسُوا الإنسان الجديد (أف21:4-27)..





