د. مينا ملاك عازر
بينما كانت نذر "حرب تجارية كبرى" تلوح في الأفق، جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين لتعيد رسم خارطة التوازنات الدولية، ليس فقط بين القطبين الاقتصاديين الأكبر في العالم، بل في ملفات سياسية مشتعلة تمتد من مضيق هرمز وصولاً إلى الكاريبي. هذه الزيارة التي لم تكن مجرد بروتوكول، بل كانت "مبارزة استراتيجية" انتهت باتفاق أطلق عليه ترامب "الممتاز"، فما الذي حدث خلف الأبواب المغلقة؟ وكيف تحول الخصوم إلى "أصدقاء متعاونين"؟
لغز التأجيل: لماذا لم تتم الزيارة في موعدها الأبكر؟
كان من المقرر لهذه القمة أن تنعقد في وقت سابق، لكن تم تأجيلها لعدة أسباب جوهرية، أهمها "ليّ الذراع" المتبادل حول الأجندة. واشنطن أرادت التزاماً صينياً مسبقاً بوقف دعم العملة المحلية (اليوان) وتقديم تنازلات في ملف الملكية الفكرية قبل هبوط طائرة الرئاسة. في المقابل، كانت بكين تنتظر وضوح الرؤية بشأن العقوبات الأمريكية على شركات التكنولوجيا الصينية. التأجيل كان "فترة تسخين" استعرض فيها كل طرف أوراقه؛ أمريكا لوحت بالتعريفات الجمركية الشاملة، والصين لوحت بسحب استثماراتها من السندات الأمريكية، مما جعل الطرفين يصلان للموعد الجديد وهما يدركان أن "اللا اتفاق" هو انتحار اقتصادي للجانبين.
الاتفاق التجاري: عض الأصابع الذي انتهى بمصافحة
ماهية هذا الاتفاق الذي وصفه ترامب بالممتاز ترتكز على معادلة (النفط والغذاء مقابل التكنولوجيا). التزمت الصين بشراء كميات ضخمة من المنتجات الزراعية الأمريكية (الصويا والذرة) وموارد الطاقة (الغاز المسال) لتقليص العجز التجاري الأمريكي.
قبل هذا الاتفاق، كان كل طرف "يعض على ذراع الآخر"؛ أمريكا تضغط بملف "هواوي" والرقائق الإلكترونية لخنق التفوق التقني الصيني، والصين ترد بفرض قيود على المواد الخام والمعادن النادرة التي تدخل في الصناعات الدفاعية الأمريكية. الاتفاق الحالي هو "هدنة المحاربين" التي ضمنت لترامب مكسباً انتخابياً واقتصادياً سريعاً، وضمنت للصين استقراراً يحمي سلاسل إمدادها من الانهيار.
"الصديق المتعاون" ومقامرة التوازنات: أثر الزيارة على إيران وروسيا
وصف ترامب للرئيس الصيني بأنه "متعاون أكثر من الجميع" لم يكن غزلاً مجانياً، بل كان إشارة لنجاح واشنطن في فصل المسارات. الصين، التي كانت "الرئة" التي تتنفس منها إيران وروسيا للالتفاف على العقوبات، قدمت في هذه الزيارة تنازلات ضمنية:
* **تجاه إيران:** وافقت بكين على خفض تدريجي لاستيراد النفط الإيراني "خارج العقود الرسمية" مقابل تأمين احتياجاتها من النفط والغاز الأمريكي والخليجي بأسعار تفضيلية، مما يترك طهران معزولة تماماً في مواجهة الحصار البحري في هرمز.
* **تجاه روسيا:** التقارب الأمريكي الصيني يمثل كابوساً للكرملين؛ فبكين المتعاونة مع واشنطن تعني أن موسكو لم تعد "الشريك الوحيد" القوي للصين، مما يضعف الموقف الروسي في ملفات الطاقة والسياسة الدولية.
الزيارة والملفات العالقة: من كوبا إلى الأمن العالمي
لم تكن كوبا بعيدة عن الطاولة؛ حيث ضغطت واشنطن على بكين لتقليص دعمها الاقتصادي للنظام الكوبي كجزء من صفقة "ترتيب البيت الكاريبي"، وهو ما يفسر التراجع الملحوظ في الاستثمارات الصينية هناك مؤخراً.
**الخلاصة:**
هذه الزيارة أثبتت أن لغة المصالح فوق كل اعتبار. ترامب استطاع انتزاع "تعهدات شراء" تنعش الاقتصاد الأمريكي، والصين اشترت "الوقت" لمواصلة صعودها الهادئ. لكن الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هم حلفاء بكين التقليديون (إيران وروسيا وكوبا)، الذين وجدوا أنفسهم أوراقاً للمساومة في صفقة كبرى بين القوتين العظميين. العالم اليوم لا تحكمه الأيدولوجيا، بل تحكمه "دفاتر الشيكات" والقدرة على الصمود في لعبة عض الأصابع.





