بقلم: عادل يوسف - خادم وشماس قبطي

مزق صور القديسين والملائكة.. نشر الفعل في مقطع فيديو.. تقدموا ببلاغ ضده.. انتشر خبر سجنه أربعة أيام على ذمة التحقيق... هذا هو ملخص بداية قصة جديدة ننشغل بها خلال لهونا في هذا العالم.
 
لماذا الحبس؟ وما الجريمة؟! هل يوجد في كل العالم الواعي، والواثق فيما يؤمن به، ما يُسمى بـ "ازدراء الأديان"؟ الرجل لم يضرب أحدًا، لم يتلقَّ رشوة، لم يُهدر مالًا عامًا، ولم يتحرش بأحدٍ، لم يتاجر بالمخدرات، ولا أعتقد أنه حتى يتعاطاها!

ما معنى ازدراء الدين أو المقدسات؟
أحسبه تعبيرًا عن رأي تجاه معتقد أو طقوس دينية بطريقة لا تتفق ومعتقد الآخرين، وبأسلوب لا يحبه الآخر، أو قد يشمئز منه، أو يجرح مشاعره. لكن دعني أهمس في أذنك:
 
إن التحصن ضد الازدراء في جوهره ما هو إلا حماية للضعيف. نعم.. هل جرحتك هذه الحقيقة وأثارت حفيظتك؟ إذًا فأنت هكذا يا غالي!
وفي حالة ذلك القس "البروتستانتي"، لم نرَ أنه تجاوز التعبير عما يعتقده بطريقته الخاصة الغريبة والمفاجئة، والتي لم تحبها ولم تكن تنتظرها الغالبية. وخلال تمزيقه لصور القديسين في ذاك الفيديو، اعتبر أن إكرامها عبادة أصنام.
 
وللتذكير: هؤلاء القديسون أنفسهم، وكل الأبرار حتى يومنا هذا، عانوا ويعانون من ظلم وازدراء بل وصلب بأشكال متنوعة. ولكنهم - رغم كل ذلك - لم يسعوا في حياتهم لسَجن من ازدرى بهم أو من ظلمهم، بل على العكس؛ صلّوا ويصلّون لأجل من أساء ويسيء إليهم.

المسيح نموذجًا ومثالًا
في القديم، حدث ما كان أفظع وأشد مع الإنسان يسوع؛ احتقروه وأهانوه وجرحوه.. "أقْرِبَاؤُه خَرَجُوا ليُمسِكوه، لأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ مُخْتَلٌ!" (مرقس ٣ : ٢١)، وجموع أرادت أن تلقيه من أعلى الجبل، وآخرون بصقوا في وجهه ولطموه. وأخيرًا علقه البشر على خشبة بلا سبب - سوى كيدهم وعبادة ذواتهم - كما يقول الإنجيل:
 
"أَبْغَضُونِي بِلَا سَبَبٍ" (يوحنا ١٥ : ٢٥).
أما من جهته هو نفسه، فلم يسعَ لسجنهم، ولا تمنى أي ضرر لهم.. بل سمعناه يقول:
 
"يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ..." (لوقا ٢٣ : ٣٤).
 
ويقيننا أنه قالها عن حب حقيقي، ونعلم يقينًا أيضًا أنه طالبنا بمشابهته في كل شيء.
 
استفيقوا… استفيقوا… ليست جريمة… ليست جريمة سوى في قواميسنا وفي ظلمة سجون عقولنا. ارتفعي أيتها الأبواب الدهرية...
 
ربما نعتبره مريضًا، نعم، ولكن إحقاقًا للحق، جميعنا كذلك أيضًا. ربما مخطئ أو حتى خاطئ؟ أخاطئ هو؟ لست أعلم، لكني أعلم أني كذلك قبْله. ونَعْلم كتابيًا أن جميعنا "في الموازين إلى فوق" (مزمور ٦٢ : ٩)، حتى وإن كانت حياتنا يومًا واحدًا على الأرض.

هل يحتاج المسيح إلى حماة؟
في منطق مَن مِن الفهماء - بحسب ناموس المسيح - يمكننا أن نسميها جريمة تستوجب السجن وتستوجب صياحنا: "اسجنه.. اسجنه"، أو "أصلبه.. أصلبه"؟! انتبهوا:
 
"مَنْ كَان مِنْكُمْ بِلَا خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا بِأَوَّلِ حَجَرٍ" (يوحنا ٨ : ٧).
هل تم جرح مشاعرنا واحتقار مقدساتنا (التي هي أصلًا لله) وتَطَلَّب ذلك سَجن من فعل ذلك؟ أوَهل مسيحنا نفسه ضعيف ولا يمكنه التصرف، ويحتاجنا نحن لكي ندافع عنه وعن مقدساته وهيبة قديسيه الذين هم أعضاء جسده أيضًا؟!
 
أذكركم: مسيحنا جُرح بكامل كيانه بكل نوع، بل وحمل أوزارنا لدرجة أنه "صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا" على الصليب (غلاطية ٣ : ١٣) ولم يُمانع في ذلك! وأذكركم أننا نحن أيضًا نجرحه ونهينه وقديسيه كل يوم.
 
ما فعلوه به، وما يفعلونه بذلك القس - بسبب سوء تقدير وسوء فهم للوصية - سيفعلونه أيضًا بكم، وغالبًا بلا سيكون سبب… فانتبهوا.
 
لا يحتاج الإيمان والمقدسات إلى حماة، لا يحتاج إلى تعصب، ولا إلى غاضبين بسبب مشاعر أو إهانة قديسين. المسيحي الحقيقي له مشاعر ترِّق فقط لأجل آخرين مجروحين، ولأجل معاناة البشر والخليقة والكون. نَعْلم أن القديسين غمروا أنفسهم بإرادتهم في المهانة وسَعَوا إلى المَحْقَّرة طلبًا للمدينة الباقية. هم ليسوا من هنا أصلًا!
 
ما حدث يتطلب حُزنًا لأجل نفس مَن فعل، ولأجل أنفسنا قَبله، لكن لا تذمر ولا غضب ولا روح رغبة في محاسبة وانتقام. صوت يسوع ما زال يرن: "اتبعني حاملًا صليبي"، والقديسون قَبِلوا ويَقبلون المهانة منا ومن غيرنا كل يوم.. هذا طبيعي.
 
يا حبيب: إيماننا وعقيدتنا وإلهنا وقديسونا أقوياء بما يكفي! (بالمسيح) خلّص نفسك أولًا… يكفي اليوم شره.
 
أسفًا لمشاعر من جُرحت مشاعره، لكن نهمسها ثانية: الذي دعاكم لتبعيته قد تخضَّب جسده بالدماء و"لم يفتح فاه"… لم يمنعهم! كان "كَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا" (إشعياء ٥٣ : ٧).
 
يا من تُسمّون أتباع المسيح.. لا يحتاج القديسون والمسيح والإيمان والعقيدة إلى حماية، خاصة الحماية بالعتيق والحَرف والصَوت والسَوط! أوَهل نحن كمسيحيين تهوَّدنا من جديد وتبعنا آلهة ذواتنا؟!
 
بدلًا من إدانة الرجل، انزعجوا بالروح لأجله، ابكوا، أحبوه، وصلّوا واطلبوا أن يُرفع عن قبره الحجر. وإن لم يكن لديكم ما يكفي من الحب، فعلى الأقل:
"حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ" (يوحنا ١١ : ٤٤).
 
دعوه يذهب يا حماة المقدسات والعقيدة.. يكفي..! قتلنا أنبا أبيفانيوس.. ونقول إننا لسنا عميانًا.. أليس كذلك؟
 
قلب المسيح (وأعضاء جسده) ينبض حبًا - لا غِلًّا وتَعَصُّبًا ومحاسبات ومجادلات بلا نهاية - لأجل خلاص نفس ذلك الرجل وخلاصنا معه.. يقولها يسوع عالية هذه المَرة: "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً" (هوشع ٦، متى ٩ & ١٢)، فـ "حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ" (يوحنا ١١ : ٤٤).
 
إضافة حضارية وثقافية ومسيحية
(لمن يرغب في مواصلة القراءة في مجال ذي فكر أعلى مما ورَد أعلاه)

أدعو حضراتكم للتأمل ومقارنة الثقافات التالية:
١. ثقافة "عليَّ وعلى أعدائي"
المفهوم: لا مانع من أن أؤذي وأدمر نفسي طالما عدوي "الوهمي" سيتم إيذاؤه معي!
 
الميول النفسية والسلوكية: الكيد، الغيظ، الشماتة والتشفي، الحسد، الانتقام، والأهم هو "الأنا" (أنا ومن بعدي الطوفان).
 
النتيجة: مع "الأنا" يأتي مبدأ التنافس وليس العمل الجماعي التعاوني، وذلك لأكون أنا الأول والأبرز حتى لو كنا فريقًا أو جماعة. وفي ذلك المستنقع تسود قسوة همجية "البقاء للأقوى"، والمبدأ يكون المصالح الشخصية؛ "أحبك" زورًا وبالكلام فقط لأجل المنفعة الشخصية.
 
٢. ثقافة "المكسب المتبادل" (Win-Win)
المفهوم: نكسب ونفرح وننعم معًا (أنت وأنا)؛ أنت سعيد وأنا سعيد، كلينا نحيا وكلينا يعاون الآخر.
 
السلوك العام: أنظف المكان ليَّ وأتركه نظيفًا لمن يأتي بعدي. أحافظ على البلد والكرة الأرضية والكون لنفسي وللآخرين ولأولادي وأحفادنا جميعًا، والدافع مبادئ إنسانية.
 
اتجاهات التعامل: العمل بروح الفريق (Teamwork)، لا العمل لكي أكون أنا الأبرز والظاهر والممتدَح بين الجماعة. نعمل ونتعاون معًا لننجح معًا ويَنجح العمل لمصلحة الجماعة. وهنا يكون البقاء للأذكى والأصلح والأكثر نفعًا للمجتمع، وهنا يكون مَوْلِد بدايات الإحساس بالمسؤولية وبقيمة ما نعمله.
 
٣. الثقافة المسيحية (البقاء / الحياة / الوجود - للأبد)
المفهوم: البقاء (الوجود / الحياة) يبدأ أبديًا "هنا والآن" ويكون لكل من يَقْبَل ويُحب الحياة. يكون البقاء للأنقى، والبقاء الأصلب يكون للأكثرِ تواضعًا: "مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ" (رومية ١٢ : ١٠).
 
السلوك: يكون البقاء (الوجود والتأثير) لمن لا يمانع في كَسْرِ قارورة طيبه.. فتملأ رائحة الطيب المكان، إلى أقصاء الأرض، ولتشمل كل الخليقة، وليس فقط البشرية.
 
النتيجة: هنا يكون الشعور بالقيمة وبالمسؤولية لانهائيًا بقدر ما ينفتح الفرد على غير المحدود.
 
فقط:
أحبوا.. "أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ" (١ بطرس ١ : ٢٢)، و"اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مرقس ١٦ : ١٥).