أثناسيوس سرجيوس
يفصل بين إبراهيم فهمي هلال وكمال زاخر أكثر من نصف قرن، غير أنَّ الناظر في المشروعين يلمح خيطًا واحدًا ممدودًا بينهما: كلاهما نهض من صفوف العلمانيين الأقباط ليقول إنَّ أزمة الكنيسة القبطية ليست أزمة عقيدة ولا أزمة إيمان، وإنما هي أزمة سلطة وتمثيل وإدارة. فالإيمان الأرثوذكسي في نظر الرجلين سليمٌ في جوهره، محفوظٌ في تقليده، لكنَّ الوعاء البشري الذي يحمل هذا الإيمان ــ أي البنية الإدارية والمؤسسية للكنيسة ــ أصابه من الخلل ما يستوجب الإصلاح. وعند هذا التشخيص المشترك ينتهي الاتفاق، ويبدأ افتراقٌ عميقٌ في الرؤية والمنهج والأفق، افتراقٌ يجعل من المقارنة بينهما نافذةً على تحوُّلات الوعي القبطي ذاته خلال قرنٍ كامل: من منطق الجماعة إلى منطق المواطنة، ومن خيال الأمة المهدَّدة إلى خيال المؤسسة الحديثة.

ولكي تستقيم المقارنة لا بدَّ من استحضار السياقين التاريخيين. فقد أسَّس إبراهيم فهمي هلال، وكان محاميًا شابًّا متوقِّد الحماسة، جماعة الأمة القبطية سنة ١٩٥٢، في لحظةٍ مصريةٍ كانت فيها الجماعات الأيديولوجية المنظَّمة هي الشكل السائد للفعل العام: الإخوان المسلمون، ومصر الفتاة، والتنظيمات الشيوعية، وفرق الكشافة شبه العسكرية. وقد حملت الجماعة شعارها الشهير الذي يجمع الله والوطن والإنجيل والصليب في صيغةٍ واحدة، واتخذت لنفسها بنيةً تنظيميةً هرميةً وزيًّا مميزًا ونشاطًا تعبويًّا بين الشباب، حتى بدت في عين كثيرٍ من المراقبين مرآةً قبطيةً لنموذج الجماعة الدينية الشاملة الذي طبع تلك الحقبة. وجاء ظهورها في سياق تردٍّ إداريٍّ حادٍّ عاشته الكنيسة في عهد البابا يوساب الثاني، حيث شاعت الشكوى من بيع المناصب الكنسية وتغوُّل الحاشية على قرار البطريرك وضعف قبضته على شؤون الإيبارشيات، فوجدت الجماعة في هذا التردي مسوِّغًا لتدخُّلٍ مباشرٍ بلغ ذروته الصدامية في حادثة الخامس والعشرين من يوليو سنة ١٩٥٤، حين اقتحم أعضاؤها المقرَّ البابوي واختطفوا البابا وأرغموه على توقيع وثيقة تنازلٍ عن الكرسي، فكان ذلك إيذانًا بتدخُّل الدولة واعتقال قادة الجماعة وحلِّها، وطيِّ صفحتها من الوجود التنظيمي وإن لم تُطوَ من الذاكرة القبطية.

أما كمال زاخر فينتمي إلى لحظةٍ مغايرةٍ تمامًا. فقد تبلور مشروعه في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع انعقاد المؤتمر الأول للعلمانيين الأقباط سنة ٢٠٠٦ وما تلاه من مؤتمراتٍ وكتاباتٍ نقدية، في سياق دولةٍ حديثةٍ مكتملة البنية، وفضاءٍ إعلاميٍّ مفتوح، وخطابٍ حقوقيٍّ يجعل المواطنة مرجعيته العليا. ولم يؤسِّس زاخر تنظيمًا صداميًّا، بل أسهم في بلورة تيارٍ إصلاحيٍّ علنيٍّ بين العلمانيين الأقباط ــ وهو تيارٌ أقدم منه جذورًا ويُعدّ من أبرز ممثليه في العقود الأخيرة ــ اتخذ من المؤتمرات والكتابة والحوار والمطالبة اللائحية أدواته الأساسية: مراجعة لائحة انتخاب البطريرك، وتفعيل المجلس الملي، وفصل الإدارة المالية والوقفية عن السلطة الروحية، وإخضاع القرار الكنسي لمنطق المؤسسات لا لمنطق الأشخاص. وقد صاغ نقده لما سمَّاه شخصنة السلطة الكنسية، أي اختزال الكنيسة كلها في شخص البطريرك وتحويل الكاريزما الفردية إلى بديلٍ عن البنية المؤسسية، وهي ظاهرةٌ يقرأ زاخر في ضوئها تاريخ الكنيسة منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

فأين يلتقي الرجلان؟ يلتقيان أولًا في مركزية دور العلمانيين. فكلاهما يرفض أن تُختزل الكنيسة في الإكليروس وحده، وأن يتحوَّل الشعب المؤمن إلى جمهورٍ صامتٍ لا وظيفة له سوى التلقِّي والطاعة. غير أنَّ هذا الرفض المشترك يتخذ عند كلٍّ منهما شكلًا مختلفًا: أراد هلال أن يصنع للعلمانيين تنظيمًا إصلاحيًا قادرًا على التعبئة والتأثير والتدخل المباشر في الشأن الكنسي، بحيث يمتلك من أدوات الحشد ما يجعل صوته مسموعًا إن لم يُسمَع بالحسنى؛ بينما يريد زاخر إعادة العلمانيين إلى موقع المشاركة المؤسسية عبر المجالس المنتخبة واللوائح المكتوبة والإدارة الحديثة، أي عبر قنواتٍ شرعيةٍ معترفٍ بها تجعل المشاركة حقًّا مقنَّنًا لا غنيمةً منتزَعة.

ويلتقيان ثانيًا في نقد تردِّي الإدارة الكنسية، وإن اختلف موضوع النقد باختلاف العصرين: فجماعة الأمة القبطية نشأت اعتراضًا على أوضاع عهد البابا يوساب الثاني وما شابه من فسادٍ إداريٍّ وضعفٍ في القيادة، بينما يقرأ زاخر أزمات الكنيسة الحديثة بوصفها أزمة تضخُّم السلطة لا ضعفها، أي أزمة مركزيةٍ مفرطةٍ وشخصنةٍ للقرار وغيابٍ للمؤسسية، فكأنَّ الكنيسة انتقلت من مرضِ الفراغ القيادي إلى مرضِ الامتلاء القيادي، والداءان معًا عرَضان لعلةٍ واحدةٍ هي غياب البنية المؤسسية التي تضبط السلطة قوةً وضعفًا. ويلتقيان ثالثًا في رفض الوساطة الكنسية المطلقة في تمثيل الجماعة القبطية أمام الدولة والمجتمع؛ فكلاهما، بدرجاتٍ متفاوتة، يأبى أن يُختزل الأقباط جميعًا في صوت الكرسي البابوي وحده: أراد هلال تمثيلًا قبطيًّا جماعيًّا مباشرًا تنهض به الجماعة المنظَّمة، ويريد زاخر أن ينتقل القبطي من وضع الرعية التي ينوب عنها راعيها في كل شأنٍ دنيوي إلى وضع المواطن الذي يمثِّل نفسه في الدولة بما هو مواطن، وتمثِّله كنيسته في الشأن الروحي وحده.

ويلتقيان رابعًا في أنَّ كلا المشروعين امتدادٌ ــ بطريقتين مختلفتين ــ لمعركةٍ أقدم منهما جميعًا: معركة المجلس الملي التي اندلعت منذ إنشائه سنة ١٨٧٤ واستعرت في عهد البابا كيرلس الخامس، حين تصادم الإكليروس والعلمانيون حول إدارة الأوقاف والأحوال الشخصية والمدارس والتمثيل، صدامًا بلغ حدَّ تغريب البطريرك نفسه عن كرسيه شهورًا عدة. فتلك المعركة التأسيسية بين منطق الرئاسة الكهنوتية ومنطق المشاركة الشعبية لم تُحسَم قطُّ، وإنما ظلت تتجدَّد في كل جيلٍ بلبوسٍ جديد: كان هلال نسختها الحركية الصدامية في لحظة ثورة يوليو وعصر الجماعات، وجاء زاخر نسختها المدنية المؤسسية في عصر المجتمع المدني وخطاب المواطنة. وبهذا المعنى فإنَّ المقارنة بين الرجلين ليست مقارنةً بين فردين، بل بين طورين من أطوار سؤالٍ واحدٍ لم يكفَّ الوجدان القبطي عن طرحه: لمن الكنيسة؟ وكيف تُدار؟ ومن يمثِّل شعبها؟

غير أنَّ الافتراق بين المشروعين أعمق من التقائهما، لأنه افتراقٌ في البنية الذهنية قبل أن يكون افتراقًا في الأسلوب. تحرَّك هلال بمنطق الأمة القبطية: جماعةٌ منظَّمةٌ ذات خطابٍ هوياتيٍّ حاد، وإحساسٍ عميقٍ بالخطر الوجودي، واستعدادٍ للتدخل المباشر في السلطة الكنسية بل لانتزاعها انتزاعًا. صحيحٌ أنَّ برنامج الجماعة المعلن نصَّ على أنها لا تشتغل بالسياسة وأنَّ ميدانها دينيٌّ اجتماعيٌّ خالص، لكنَّ منطق التنظيم الشامل ذي الخيال القومي لا يعرف حدودًا تفصل الديني عن السياسي، فجرفته الوقائع إلى الاصطدام بالكنيسة والدولة معًا، وانتهى به حادثُ اختطاف البابا إلى أن صار هو نفسه ذريعةَ الدولة لإحكام قبضتها على الشأن القبطي الداخلي. وهنا تكمن المفارقة المأساوية في تجربة هلال: أراد تحرير الكنيسة من ضعفها فقدَّم للدولة مسوِّغ الوصاية عليها، وأراد تقوية العلمانيين فأورثهم عقودًا من الريبة تلاحق كلَّ صوتٍ علمانيٍّ ناقد، إذ صار يكفي لإسكات أي مطالبةٍ إصلاحيةٍ أن يُقال لصاحبها: أتريد أن تعيد سيرة الأمة القبطية؟

أما زاخر فيتحرك بمنطقٍ معاكسٍ تمامًا، منطق المواطنة والدولة المدنية. فهو لا يريد جماعةً قبطيةً سياسيةً موازية، بل يريد تفكيك منطق الطائفة ذاته من أساسه؛ لا يقول: نحتاج أمةً قبطيةً تواجه الدولة أو الكنيسة، بل يقول: نحتاج كنيسةً مؤسسيةً شفافةَ الإدارة، ومواطنين أقباطًا كاملي الأهلية داخل دولة قانون. ولذلك كانت أدواته هي النقيض الدقيق لأدوات هلال: الكتابة لا التنظيم، والمؤتمر العلني لا الخلية المغلقة، والمطالبة اللائحية لا الاقتحام، والنقد المؤسسي لا الصدام الشخصي. وحتى حين يشتد نقده لرأس الكنيسة فإنه يوجِّهه إلى البنية لا إلى الشخص، وإلى النظام لا إلى صاحبه، لأنَّ غايته ليست استبدال بطريركٍ ببطريرك، بل استبدال منطقِ حكمٍ بمنطقِ حكم.

ويمكن بسط الفرق الجوهري بين المشروعين في جملةٍ من المتقابلات المتصلة. فنقطة البداية عند هلال هي حماية الأمة القبطية المهدَّدة وإصلاح كنيستها بالقوة التنظيمية، بينما نقطة البداية عند زاخر هي إصلاح الكنيسة بالمأسسة وترسيخ المواطنة. وصورة القبطي في خيال هلال عضوٌ في جماعةٍ قوميةٍ دينيةٍ محاصرةٍ يجب أن تُحمى، وفي خيال زاخر مواطنٌ حرٌّ داخل دولةٍ مدنيةٍ يجب أن تكتمل. وصورة الكنيسة عند الأول كيانٌ قوميٌّ دينيٌّ يحتاج إنقاذًا عاجلًا ولو بالاقتحام، وعند الثاني مؤسسةٌ روحيةٌ عريقةٌ تحتاج تحديثًا إداريًّا صبورًا. وأداة الإصلاح عند هلال هي التنظيم والضغط والصدام والتدخل المباشر، وعند زاخر هي الكتابة والمؤتمرات واللوائح والنقد المؤسسي المتراكم. والعلاقة بالدولة عند هلال حذرٌ يتأرجح على حافة الصدام وقد سقط فيه فعلًا، وعند زاخر مطالبةٌ صريحةٌ بدولة قانونٍ ومواطنةٍ تحتكم إليها الكنيسة والشعب معًا. والعلاقة بالإكليروس عند الأول مواجهةٌ مباشرةٌ بلغت حدَّ وضع اليد على شخص البطريرك، وعند الثاني مساءلةٌ نقديةٌ علنيةٌ تعترف بالسلطة الروحية للكهنوت وتنازعه في السلطة الإدارية وحدها.

وثمة بعدٌ أعمق تكشفه المقارنة: أنَّ كلَّ مشروعٍ منهما كان ابن أدوات عصره ومرآة مخياله. فهلال فكَّر بالشكل التنظيمي الوحيد الذي أتاحه أفق الأربعينيات والخمسينيات، وهو شكل الجماعة الأيديولوجية الشاملة، فجاء مشروعه ــ من حيث لا يقصد ــ مصبوغًا بصبغة عصره التنظيمية؛ ويمكن القول إنَّ الأمة القبطية أعادت إنتاج بعض السمات البنيوية التي كانت تنتقدها في التنظيمات الأيديولوجية المعاصرة لها: تقديس التنظيم، وتضخيم الهوية، واختصار الجماعة الواسعة في طليعةٍ صغيرةٍ تنطق باسمها دون تفويض. أما زاخر فيفكِّر بأدوات عصر المجتمع المدني: الرأي العام، والمؤتمر، والمذكرة، واللائحة، والكتاب؛ وهي أدواتٌ أبطأ أثرًا وأقل ضجيجًا، لكنها لا ترتدُّ على صاحبها، ولا تمنح خصومه ذريعة الإقصاء، ولا تعيد إنتاج الداء الذي جاءت لعلاجه. ومن هنا كان مشروع زاخر ــ رغم بطء مكاسبه المؤسسية الظاهرة ــ أبعد نظرًا، لأنه لا يقاتل السلطة الكهنوتية المتضخمة بسلطةٍ علمانيةٍ متضخمة، بل يقاتل منطق التضخم نفسه أينما حلَّ.

ويُستكمل هذا التحليل بالنظر في مصير المشروعين. فمشروع هلال انتهى نهايةً دراميةً خاطفة: سنتان من الوجود، ثم صدامٌ مدوٍّ، ثم حلٌّ واعتقالٌ ونسيانٌ قسري؛ وكأنَّ سرعة صعوده كانت هي نفسها علة سقوطه، إذ لا تحتمل الدولة الحديثة ولا الكنيسة الهرمية جسمًا وسيطًا مسلَّحًا بالحماسة يزاحمهما السلطة. أما مشروع زاخر فلم يعرف نصرًا حاسمًا ولا هزيمةً حاسمة: أُغلقت في وجهه أبوابٌ كنسيةٌ كثيرة، وووجه خطابه بالتجاهل تارةً وبالتخوين تارةً، لكنَّ أسئلته تسرَّبت إلى صميم الخطاب القبطي العام، حتى صار الحديث عن المأسسة واللوائح ودور العلمانيين حديثًا مألوفًا لا يُستغرب، بعد أن كان قبل عقودٍ تهمةً تكفي وحدها للإدانة. وهذا هو الفارق بين الإصلاح بوصفه حدثًا والإصلاح بوصفه سيرورة: الحدث يُجهَض بقرار، أما السيرورة فتعمل عملها البطيء في الوعي ولو تأخر حصادها جيلًا أو جيلين.

وهكذا يلتقي هلال وزاخر في أنَّ كليهما يرى أنَّ الكنيسة القبطية لا يجوز أن تُدار كملكيةٍ إكليريكيةٍ مغلقة، وأنَّ العلمانيين ليسوا جمهورًا صامتًا ولا قُصَّرًا دائمين. لكنَّ هلال ظل أسيرًا لمنطق الجماعة القبطية بوصفها كيانًا سياسيًّا هوياتيًّا، فأراد أن يداوي الطائفةَ بمزيدٍ من الطائفية المنظَّمة؛ بينما يحاول زاخر الخروج من هذا المنطق نفسه إلى أفق المواطنة والمؤسسة والدولة المدنية، مدركًا أنَّ تحرير الكنيسة من الشخصنة وتحرير القبطي من الطائفية وجهان لعملةٍ واحدة.

ليست المقارنة إذن بين جرأةٍ وخوف، ولا بين ثوريةٍ ومحافظة، بل بين شكلين مختلفين من تخيُّل الإصلاح: أحدهما يقوم على التنظيم والحشد باسم الأمة، والآخر على المأسسة وبناء الوعي باسم المواطنة. أراد إبراهيم فهمي هلال إنقاذ الأمة القبطية بتنظيمٍ قبطيٍّ ضاغط، فكاد التنظيم يبتلع الأمة والكنيسة معًا؛ أما كمال زاخر فيمثّل تطورًا في هذا المسار؛ إذ يحاول إنقاذ الكنيسة من منطق الأمة الطائفية ذاته، بإعادتها إلى ما هي عليه في جوهرها: جماعة إيمانٍ مؤسسية الإدارة داخل دولةٍ مدنية، يقف فيها القبطي مواطنًا كامل المواطنة، لا رعيةً تُساس ولا أقليةً تُحمى.

ولعل القيمة الحقيقية للمقارنة أنها تكشف تطوُّر سؤال الإصلاح نفسه داخل الوعي القبطي. ففي منتصف القرن العشرين كان الإصلاح يُتصوَّر باعتباره صراعًا على السلطة داخل الكنيسة؛ أما في مطلع القرن الحادي والعشرين فأصبح يُتصوَّر بوصفه إعادة بناءٍ للمؤسسة ذاتها. ومن ثمَّ فإنَّ الانتقال من إبراهيم فهمي هلال إلى كمال زاخر ليس انتقالًا من شخصٍ إلى شخص، بل من نموذجٍ إصلاحيٍّ إلى نموذجٍ آخر: من الإصلاح عبر التنظيم والتعبئة إلى الإصلاح عبر المأسسة والمشاركة المؤسسية، ومن منطق الجماعة إلى منطق الدولة المدنية، ومن سؤال «من يحكم الكنيسة؟» إلى سؤال «كيف ينبغي أن تُحكم الكنيسة؟».