الكاهن أسرع لفض مشاجرة بين شباب أمام منزله فتعرض للشتائم والاعتداء..
محامي الكاهن: القس متى بخير وتم اتخاذ الإجراءات القانونية ورفض التصالح لتنفيذ القانون
حين يُعتدى على رجل دين أثناء فض مشاجرة.. رسالة تستدعي مراجعة منظومة القيم

نادر شكري   
حينما تغيب الأخلاق والآداب التي تربينا عليها، يصبح المجتمع أمام خطر حقيقي. وعندما تكشف بعض الوقائع عن تراجع منظومة القيم إلى حد اللجوء إلى العنف دون أدنى اعتبار للعمر أو المكانة أو الاحترام الواجب للآخر، فإننا نكون أمام تحول مقلق يفرض تساؤلات عميقة حول الفكر والسلوك والأخلاق. وحين يصل الأمر إلى اعتداء مجموعة من الشباب على رجل دين، فإن الواقعة لا يمكن النظر إليها باعتبارها حادثًا عابرًا، بل تستوجب وقفة جادة للبحث عن الخلل الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة، وكيف تراجعت قيم الاحترام والتسامح لتحل محلها مشاهد العنف التي تهدد تماسك المجتمع.

الاعتداء على القمص متى رشدي بدهب
يُقيم القس متى رشدي " 49 عام" بمدينة دهب بمحافظة جنوب سيناء'> جنوب سيناء، ويخدم كاهنًا لكنيسة السيدة العذراء والقديس أبانوب، ويُعرف بعلاقاته الطيبة مع جميع أبناء المدينة، وحرصه على دعم التعايش والتواصل بين مختلف فئات المجتمع، في إطار الدور الذي تقوم به الكنيسة في ترسيخ قيم المحبة والتسامح.

وفي مساء السبت الموافق 11 يوليو، كان الكاهن يجلس في منزله، وأمام المنزل يقع سوبر ماركت مملوك لأحد أبناء الكنيسة، ويُدعى "ك"، وهو شاب من أبناء محافظة المنيا يعمل بمدينة دهب.

وخلال جلوسه، سمع القس متى أصوات مشاجرة ترتفع من أمام المنزل، فخرج إلى شرفة منزله ليتبين أن المشاجرة تدور داخل السوبر ماركت. وعندما همّ بالنزول لاحتواء الموقف، طلب منه نجله ديفيد (17 عامًا) البقاء في المنزل، مؤكدًا أنه سينزل للاطمئنان على الشاب، لكن مع تصاعد الأحداث، خشي الكاهن على نجله، فنزل مسرعًا إلى موقع المشاجرة، حيث وجد شابين من أبناء "العرب" بالمنطقة، في العشرينات من عمرهم، يتشاجران مع شخص ثالث.

حاول الكاهن تهدئة الموقف وسألهم بهدوء: "فيه إيه؟"، إلا أنه فوجئ بتعرضه لوابل من السباب والشتائم من الشابين، بينما وقف عدد من الموجودين يشاهدون الواقعة دون تدخل، وعندما قال لهما: "عيب الكلام ده"، اعتدى عليه أحد الشابين، ودفعه أرضًا ثم ركله برجله، الأمر الذي دفع نجله ديفيد إلى التدخل للدفاع عن والده.

حاولا الشابين الفرار بسيارة نقل "دبل كابينة"، إلا أن الكاهن وعددًا من أبناء الكنيسة الذين حضروا إلى المكان حاولوا منعهم من الهروب، فترجل أحد الشابين من السيارة، وأحضر "جذع شجرة "واستخدمه للاعتداء على الكاهن، فتدخل ديفيد لحماية والده، وأثناء محاولة الكاهن إنقاذ نجله، تلقى ضربة في ذراعه، قبل أن يفر المتهمان تاركين السيارة في مكان الواقعة.

نقل الكاهن إلى المستشفى
وعقب الواقعة، اتصل الكاهن بشرطة النجدة، والاتصال بمأمور القسم، فحصروا سريعا إلى موقع البلاغ، ثم تمكنت الشرطة من ضبط الشابين والتحفظ عليهم بقسم الشرطة.

وتوجه القس متى إلى مستشفى دهب العام لإجراء الكشف الطبي وإثبات الإصابات، إلا أنه فوجئ بضعف الخدمات الطبية، التي لا تتناسب مع مدنية سياحية مثل " دهب" وعندما طلب اجراء أشعة على ذراعه، أبلغه أحد الأطباء بتعطل جهاز الأشعة، ما استدعى تحويله إلى مستشفى شرم الشيخ، التي تبعد نحو ساعة عن مدينة دهب، لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة، والتي أثبتت إصابته بكدمات متفرقة.

وكان في تعليق القس متى رشدي عقب الحادثة : "لم أكن أتوقع ما حدث. نزلت فقط لاحتواء المشاجرة والاطمئنان على الشاب داخل السوبر ماركت، لكنني فوجئت بتعامل غير لائق من الشابين، وكم كبير من الشتائم لمجرد أنني سألت عن سبب المشاجرة وحاولت احتواء الأمر كأب للجميع وهم مثل أولادي ولكن رد الفعل كان صادم."

النيابة تواصل التحقيق
من جانبه، قال المحامي أسامة سامح شحاتة، إن الواقعة أُحيلت إلى نيابة نويبع، باعتبارها الجهة المختصة بالتحقيق في وقائع مدينة دهب، وتم تحرير المحضر رقم 1219 لسنة 2026 جنح دهب.

وأوضح أن النيابة ندبت وكيل نيابة من شرم الشيخ للاستماع إلى أقوال القس متى داخل مستشفى شرم الشيخ، كما أمرت بتحريز كاميرات المراقبة الخاصة بالسوبر ماركت، والتي قال إنها توثق واقعة الاعتداء كاملة.

وأضاف المحامي أنهم فوجئوا بقيام المتهمين بتحرير محضر مضاد ضد الكاهن ونجله، يتهمانهما فيه بالاعتداء عليهما، معتبرًا أن هذا الإجراء يهدف إلى تحويل الواقعة إلى مشاجرة متبادلة، رغم أن الكاهن - بحسب قوله - لم يكن سوى وسيط حاول إنهاء الخلاف بين مجموعة من الشباب، وأكد أن تسجيلات كاميرات المراقبة  تكشف هذه التفاصيل الواقعة كاملة، بالإضافة لشهادة الشهود، التي تثبت أن الكاهن ذهب لاحتواء الأوضاع في اطار دوره كأب يعمل لأجل السلام المجتمعي.

 وأشار إلى أن النيابة قررت إخلاء سبيل جميع الأطراف الشابين والكاهن وابنه، مع طلب تحريات الشرطة، وتفريغ كاميرات المراقبة، والاستماع إلى أقوال الشهود، وعاد الكاهن لمنزله، في انتظار استكمال التحقيقات.

واختتم المحامي تصريحاته بالإشارة إلى أن هناك محاولات تُبذل حاليًا للتصالح، إلا أن القس متى رشدي يتمسك باستكمال الإجراءات القانونية حتى انتهاء التحقيقات وكشف ملابسات الواقعة.

تأتى هذه الواقعة بعد واقعة مشابهة وقعت يوم الجمعة الماضية بعين شمس، مع القمص انطونيوس زاهر 61  عام كاهن الكنيسة القبطية بمدينة السلام، بعد اتهامه لثلاثة نساء بالاعتداء عليه وتهشيم زجاج سيارته، لخلاف على ركن السيارة، مشيرا للاعتداء عليه بخشبة، وتم تحرير محضر بالواقعة، وقام الطرف الآخر من السيدات المتهمات بتحرير محضر أيضا للكاهن بالاعتداء عليهن وصفهن بالمشاجرة، ومازال جاري التحقيق.

وتبقى هذه الواقعة جرس إنذار يستدعي وقفة مجتمعية جادة، ليس فقط لمحاسبة المخطيء وفقًا للقانون، وإنما أيضًا لمراجعة منظومة القيم والأخلاق التي تحكم سلوك الأجيال الجديدة. فاحترام رجل الدين، أيا كانت ديانته، واحترام كبار السن ورموز المجتمع، ليس مجرد سلوك فردي، بل قيمة أصيلة تعكس حضارة المجتمع وتماسكه.