بقلم/ نادر شكري
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزايد فيه الحاجة إلى ترسيخ قيم التعايش والانتماء، تأتي الفعاليات الثقافية والفنية لتؤكد أن الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل رسالة قادرة على بناء الوعي وصناعة الإنسان.
ومن هذا المنطلق، جاءت الدورة السادسة من مهرجان "سيمفوني" للفنون لتقدم نموذجًا مختلفًا، لم يكن فيه المسرح مجرد مساحة للعروض الفنية، بل منصة حملت رسالة إنسانية ووطنية عميقة، عبر عنها شعار المهرجان "إبؤورو"، الذي جسد معاني السلام والمحبة والتواصل بين الجميع.
المهرجان، الذي أقيم برعاية وصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني، وبحضور نخبة من القيادات الدينية والفكرية والفنية والإعلامية، لم يكتف بتكريم الشخصيات المؤثرة، بل قدم رؤية تؤكد أن الثقافة والفنون تظل أحد أهم أدوات القوة الناعمة في مواجهة التطرف والانغلاق، وفي تعزيز قيم الحوار وقبول الآخر.
وكانت اللحظة الأبرز في حفل الافتتاح هي ما قدمه كورال "المجدلية" التابع لإيبارشية المنيا تحت رعاية نيافة الأنبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها، حيث استطاع أبناء الكورال أن يصنعوا حالة من الإبهار الحقيقي، ليس فقط بجمال الأداء الموسيقي، وإنما بالرسالة التي حملها هذا الأداء.
فقد كان اختيار تقديم السلام الوطني المصري باللغة القبطية رسالة بالغة الدلالة، تؤكد أن اللغة القبطية ليست مجرد لغة كنسية أو تراث تاريخي، وإنما جزء أصيل من الهوية المصرية الممتدة عبر آلاف السنين. وجاء هذا المشهد ليؤكد أن الاعتزاز بالهوية لا يتعارض مع الانفتاح، بل يمثل نقطة الانطلاق نحو ترسيخ الانتماء الوطني.
ولم يتوقف العرض عند هذه الرسالة، بل انتقل الكورال بسلاسة إلى تقديم مجموعة من الأغاني الوطنية التي تغنت بمصر وحب الوطن، إلى جانب أناشيد وأعمال قدمت بلغات متعددة، في مشهد جسد عمليًا شعار المهرجان، حيث التقت الهوية المصرية مع الانفتاح على العالم، واجتمع الاعتزاز بالجذور مع خطاب السلام الإنساني، فهذا التنوع لم يكن مجرد استعراض للقدرات الفنية، بل كان رسالة واضحة مفادها أن الاختلاف في اللغة أو الثقافة لا يمنع الاتفاق على قيم المحبة والسلام، وأن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود وصناعة لغة مشتركة بين الشعوب.
ويحسب لإيبارشية المنيا ولنيافة الأنبا مكاريوس اهتمامهما الكبير بدعم هذا النموذج الفني والثقافي، الذي يعكس دور الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في بناء الإنسان قبل أي شيء آخر. فالكنيسة، إلى جانب رسالتها الروحية، تؤدي دورًا وطنيًا وثقافيًا مهمًا في غرس قيم الانتماء والولاء للوطن داخل نفوس أبنائها، وهو ما ظهر بوضوح في الأداء الذي قدمه أبناء كورال المجدلية، الذين حملوا صورة مشرفة للشباب القبطي الواعي بهويته والمنفتح على مجتمعه، والمؤمن بأن حب الوطن قيمة لا تنفصل عن الإيمان.
ولعل ما منح الدورة السادسة عمقًا فكريًا أكبر، هو أن شعار "إبؤورو" لم يبق مجرد عنوان للمهرجان، بل تحول إلى مضمون حقيقي في الكلمات التي ألقاها المكرمون. فقد قدم الأنبا مكاريوس رؤية فلسفية وروحية للسلام، حين أكد أن السلام أقوى من الحروب، وأنه لا يمكن أن يقوم على الاستسلام أو فرض الأمر الواقع، بل على العدالة والمساواة وصون الكرامة الإنسانية. هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في عالم تتزايد فيه الصراعات، حيث يصبح الحديث عن السلام ضرورة حضارية وليس رفاهية فكرية.
ولم يكن اختيار كلمة "إبؤورو"، التي تعني السلام في التراث القبطي، اختيارًا عابرًا، بل جاء ليؤكد أن الثقافة المصرية، منذ جذورها الفرعونية مرورًا بتراثها القبطي ووصولًا إلى حاضرها، كانت دائمًا حضارة تبحث عن الحياة لا عن الصراع، وعن البناء لا عن الهدم. وهنا نجح المهرجان في الربط بين الهوية والتاريخ، ليقدم السلام باعتباره قيمة مصرية أصيلة قبل أن يكون شعارًا لدورة فنية.
وفي الاتجاه نفسه، جاءت كلمة الإعلامي جورج قرداحي لتمنح المهرجان بعدًا إنسانيًا أوسع، عندما أكد أن السلام لم يعد مجرد أمنية، بل أصبح مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق كل صاحب كلمة وموقف. فقد عبّر عن أسفه لما يشهده العالم، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، من حروب ونزاعات، معتبرًا أن الإنسانية لن تستعيد توازنها إلا إذا عادت قيم المحبة والتسامح إلى مقدمة المشهد. وعندما استشهد بقول السيد المسيح: "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون"، كان يؤكد أن السلام ليس موقفًا سياسيًا مؤقتًا، بل قيمة إنسانية خالدة.
ومن اللافت أن المهرجان لم يكتف بعرض الأعمال الفنية، بل حرص على تكريم شخصيات متنوعة تنتمي إلى مجالات الإعلام والفن والثقافة والرياضة والفكر، في رسالة تؤكد أن صناعة السلام ليست مسؤولية رجال الدين وحدهم، ولا الفنانين وحدهم، وإنما هي مسؤولية مجتمعية يشارك فيها كل من يمتلك تأثيرًا في الناس. فتكريم شخصيات مثل الأنبا مكاريوس، وجورج قرداحي، والمايسترو نادر عباسي، والأب بطرس دانيال، والدكتور أحمد كريمة، والفنان شريف منير، والدكتورة كورين ملاك شنودة، يعكس إيمان المهرجان بأن الحوار بين مختلف التيارات والخبرات هو الطريق لبناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا.
كما أن البداية التي قدمها كورال "أبناء الملكوت" بعرض تراتيل روحية واختتامها بأغنية "فيها حاجة حلوة" كانت رسالة ذكية تؤكد أن الفن الراقي قادر على الجمع بين الروحانية والفرح، وأن الأغنية الوطنية والإنسانية تستطيع أن تخلق مساحة مشتركة تجمع الجميع، بعيدًا عن أي اختلافات.
إن ما قدمه مهرجان "سيمفوني" هذا العام يفتح الباب أمام سؤال مهم: لماذا لا تتحول مثل هذه المبادرات إلى مشروع ثقافي مستدام يمتد إلى المحافظات والجامعات والمدارس؟ فالمجتمع اليوم يحتاج إلى الفن الذي يبني الإنسان، ويعزز الانتماء، ويحصن الأجيال الجديدة ضد خطاب الكراهية والتطرف، أكثر من حاجته إلى الفنون التي تستهلك اللحظة وتنتهي بانتهاء العرض.
لقد أثبتت الكنيسة القبطية عبر تاريخها الطويل أنها شريك أصيل في بناء الدولة المصرية، وأنها كانت ولا تزال مدرسة لترسيخ قيم المواطنة والعمل والعطاء. وما قدمه أبناء كورال المجدلية على مسرح مهرجان سيمفوني لم يكن سوى امتداد طبيعي لهذه الرسالة، حيث امتزج الفن بالوطنية، والهوية بالسلام، والإبداع بالانتماء.
وفي النهاية، فإن نجاح مهرجان "سيمفوني" لا يقاس بعدد الحضور أو الشخصيات المكرمة أو جودة التنظيم فحسب، بل يقاس بقدرته على إيصال رسالة تبقى في وجدان من حضره. لقد نجح المهرجان في أن يجعل من الموسيقى لغة للحوار، ومن التراث جسرًا إلى المستقبل، ومن السلام مشروعًا ثقافيًا، ومن الانتماء قيمة تُغرس في الأجيال الجديدة. وهذا هو الدور الحقيقي للفن عندما يتحول من مجرد عرض على المسرح إلى قوة ناعمة تصنع الوعي، وتبني الإنسان، وتحفظ للوطن هويته ووحدته ومستقبله.





