د.ماجد عزت إسرائيل
 في 22 أغسطس 2021م ترأس أسقف مونستر الدكتور فيليكس جين قداس تدشين كنيسة القديس الأنبا أنطونيوس المصري بمدينة جروناو بمشاركة القس ميخائيل فيهلكين كاهن الكنيسة وبحضور رئيس المدينة ولفيف من المسؤولين والشعب. وقد نقل التلفزيون الألماني هذا الحدث على الهواء مباشرة. وقد زار كاتب هذه السطور الكنيسة في أغسطس 2019م برفقة الصديق الأستاذ وسيم وليم الذي يقطن بذات المدينة والذي حضر هذا التدشين، وفي إطار إهتمامي بالوجود القبطي بألمانيا – حاليًا بصدد إصدار دراسة علمية عن أقباط ألمانيا- فكان لهذا التدشين قيمة كبيرة عند أهل جروناو والألمان بصفة عامة وعند أقباط مصر بصفة خاصة وهذا ما سوف نوضحه.

   ومدينة جروناو تقع جغرافيًا في منطقة بوركين في شمال ولأية الراين فستفالن (Nordrhein-Westfalen) التى عاصمتها دوسلدورف. ويحدها مدينة مونسترلاند في الشمال الغربي، وتقع شرق مدينة إنشيده بالقرب من الحدود الألمانية الهولندية، وتحديدًا على بعد نحو 10 كم. وتبلغ مساحتها نحو(78.82) كيلومتر مربع؛ وتنقسم المدينة إلى منطقتي جروناو وإيبي. ويبلغ عدد سكانها طبقًا لإحصاء عام 2020م نحو(48،576) نسمه، ومعدل الكثافة السكانية بها(616) نسمة لكل كيلومتر مربع. ويعود تاريخها إلى عام 1365م.

   والسؤال الذي يطرح نفسه كيف وصلت سيرة هذا القديس العظيم الأنبا أنطونيوس إلى مدينة جروناو؟ من المؤكد أن البابا أثناسيوس الرسولي البطريرك رقم 20 (328-373م) هو الذي نقل سيرته العطرة في أثناء نفيه بترير بغرب ألمانيا ما بين (335-337م). ومن الجدير بالذكر أن الأنبا أثناسيوس الرسولي كان على علاقة بالرهبان في صعيد مصر فقد ذكر عن الأنبا أنطونيوس قائلاً:" لقد رأيت أنطونيوس مرارًا وتعلمت منه لأننى لازمته زمنًا طويلاً وسكبت ماء على يديه". والقديس الأنبا أنطونيوس ولد في عام 251م، فى قمن العروس بمحافظة بني سويف، من أبوين مسيحيين على درجة عالية من الثراء والغنى، وتعلم من أبيه فضائل المسيحية، وعندما توفي أبوه وهو في الثامنة عشرة ترك له ميراثا عبارة عن مزرعة مساحتها 300 فدان وأختا صغيرة يقوم على رعايتها وتربيتها، فباع كل أملاكه ووزعها على الفقراء، بعدا أن أعطى أخته نصيبها، وتوجه بها إلى أحد بيوت العذارى القبطية وأوصى بها رئيستهن لكي تراعيها كابنة لها، وبعدها توجه للبرية الشرقية للتعبد والصلاة،وتنيح في عام 355م وعمره أكثر من مائة عاماً.  
 
 على أية حال، عندما بدأت بلدية جروناو بألمانيا في تشيد كنيسة لها لتكون مركز لأبريشيته عام 1918م أطلقت عليها "اسم كنيسة القديس العظيم الأنبا أنطونيوس الكاثوليكية" وهذه الكنيسة تقع في وسط المدينة،ويقع في مدخلها تمثال من وحى الفنان الكاثولكي للقديس الأنبا أنطونيوس وأمامه لوحة برنزية جميلة كتب عليها" القديس الأنبا أنطونيوس الكبير المصري (251-365م)، وعند الباب الرئيسي للكنيسة وجدت لوحة كتب عليها باللغة الألمانية اسم الكنيسة، وعند الدخول إلى الكنيسة من الباب الأيسر أو الجانبى لها يوجد تمثال معلق للقديس الأنبا أنطونيوس، ويوجد بالكنيسة العديد من الأيقونات الآثرية.
   
 ومن الجدير بالملاحظة أن الشارع الذي تقع به كنيسة القديس "الأنبا أنطونيوس الكبير"، يعد من أكبر وأهم شوارع المدينة، ولقيمة اسم القديس الأنبا انطونيوس أطلقته بلدية المدينة على المستشفي الحكومية، وأيضًا أطلق ذات الاسم على بعض الصيدليات والمطاعم والكافهات وبعض المحلات. ولا أبالغ عندما أقول: "أن مدينة جرناو الألمانية تأسست بفضل شفاعة هذا القديس وكنيسته العظيمة بوسطها.. ". يا لها من عظمة! عندما تجد أحد القديسيين المصريين يقدر بمكانة عظيمة لسيرته العطرة وتاريخيه كمؤسس للرهبنة القبطية أو الرهبنة الأنطونية. هكذا نرى أن آبائنا الرهبان الأولين نشروا الإيمان والرهبنة في شتى بقاع المسكونة. «عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ! عَادِلَةٌ وَحَقٌ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ!" (رؤ 15: 3). وهنا نتذكر ما ذكره معلمنا بولس الرسول للعبرانيين قائلاً :"انظُروا إلَى نِهايَةِ سيرَتِهِمْ فتمَثَّلوا بإيمانِهِمْ" (عب7:13).

  وفي22 أغسطس 2021م قام أسقف مونستر الدكتور "فيليكس جين" بتدشين كنيسة القديس الأنبا أنطونيوس بعد أن قامت الأبريشية بترميمها وإعادتها إلى صورتها الأولى. وطبقًا لطقس الكنيسة الكاثوليكية قام الأسقف بإشعال خمس شمعات فوق مذبح الكنيسة إشارة إلى جروحات السيد المسيح الخمسة، مع وضع البخور في إشارة أيضًا إلى رائحة المسيح الذكية. كما ورد بالكتاب المقدس قائلاً: "فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ." (رؤ 8: 4). وأيضًا "لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ،وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاسْمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ، لأَنَّ اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ." (ملا 1: 11).  وكذلك "مَا دَامَ الْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ." (نش 1: 12).
    
وفي ذات اللحظة التي كان الأسقف فيليكس يقوم بإشعال الشموع كان القس ميخائيل فيلكين وآخرون أمام المذبح يصلّون؛ لحظات رائعة في طقس التدشين والبخور كلاهما معًا يشكلون تكريس لمذبح كنيسة القديس الأنبا أنطونيوس.