ترجمة : نجيب محفوظ نجيب
كاتب و باحث و مترجم.
إهداء إلى بول هيرفيو.
بول هيرفيو ( 1857 - 1917 ) : روائى و كاتب مسرح محبوبا من الجمهور.
فى 1883، كان لا يزال مبتدئا، لكن جى دو موباسان كان يقدره.
 
كنت أعرف هذا الصبى الكبير الذى كان يُدعى رينيه دو بورنيفال. لقد كان رجلا لطيفا، على الرغم من أنه حزين قليلا، كان يبدو وكأنه تعافى من كل شىء، متشكًكا للغاية، مع شك دقيق متهكم، بار ًعا خاصة فى تفكيك النفاق الدنيوى فى كلمة واحدة. كان يردد فى كثير من الأحيان: " لا يوجد رجال شرفاء. أو على الأقل هم لا يكونوا هكذا إلا فيمايتعلق بالأوغاد. "
 
كان لديه شقيقان لم يكن قد رآهما، السيد دو كورسيل. كنت أعتقد أنه كان من أب آخر، نظرا
لإختلاف أسمائهم. كان قد قيل لى عدة مرات أن قصة غريبة كانت قد حدثت فى هذه العائلة، لكن دون إعطاء أى تفاصيل.
 
لقد أعجبت بهذا الرجل حقًا،وسرعان ما أرتبطنا بصداقة. ذات مساء، بينما كنت أتناول العشاء فى منزله بمفردنا، سألته بالصدفة: "هل ولدت من زواج السيدة والدتك الأول أو الثانى؟ رأيت وجهه شاحبًا قليلا، ثم خجل و أحمر وجهه؛ وبقى بضع ثوان دون أن يتحدث، محر ًجا بشكل واضح. ثم أبتسم بطريقة حزينة ولطيفة كانت خاصة بالنسبة له، وقال :
" صديقى العزيز، إذا لم يكن هذا يضايقك، فسأعطيك بعض التفاصيل الخاصة للغاية عن أصلى. أعلم أنك رجل ذكى، لذلك لا أخاف أن تتأثر صداقتك بهذا، وإذا كان يجب أن  تتأثر، فلن أرغب بعد الآن فى أن أكون صديقًا لك. "
 
كانت والدتى، مدام كورسيل، سيدة صغيرة فقيرة وخجولة، تزوجها زوجها من أجل ثروته. كانت حياتها كلها إستشهادًا. بروح محبة وخائفة وحساسة، عوملت بجفاء بلا هوادة من قبل الشخص الذى كان ينبغى أن يكون والدى، أحد هؤلاء الريفيين الذين يُطلق عليهم اسم النبلاء القرويين. بعد شهر من الزواج، كان يعيش مع خادمة. كما كان له أيضا كعشيقات السيدات و الفتيات زوجات وبنات مزارعيه؛ و هذا لم يمنعه من إنجاب طفلين من زوجته؛ يجب أن تقول ثلاثة، فأنا من ضمنهم. لم تكن أمى تقل شيئًا. كانت تعيش فى هذا المنزل، الذى كان دائمًا صاخبًا، مثل تلك الفئران الصغيرة التى تنزلق تحت الأثاث. ممحاة، مختفية، مرتجفة، كانت تنظر إلى الناس بعيونها القلقة والصافية، دائما متحركة، عيون كائن خائف لا يغادره الخوف. كانت جميلة بالرغم من هذا، جميلة جدًا، وكلها ذات شعر أشقر رمادى، أشقر خجول. وكأن شعرها كان قد تغير لونه قليلاً بسبب مخاوفها المستمرة.
 
من بين أصدقاء السيد كورسيل الذين كانوا يأتون بإستمرار إلى القصر كان يوجد ضابط
سلاح فرسان سابق، أرمل، رجل مخيف، رقيق وعنيف، قادر على إتخاذ القرارات الأكثر نشاطا السيد بورنفال، الذى أحمل أسمه.
 
كان رجلا جريئا طويلا، نحيفا، له شارب أسود كبير. أنا أشبهه كثيرًا. لقد كان يقرأ هذا الرجل ولم يكن يفكر مثل طلاب فصله. جدته كانت صديقة لـجان جاك روسو، و يقال إنه كان قد ورث شيئا من هذه الرابطة من الأجداد.
 
كان يعرف عن ظهر قلب العقد الاجتماعى، إلواز الجديدة وكل هذه الكتب الفلسفية التى أعدت من بعيد الإضطرابات المستقبلية لعاداتنا القديمة، و أحكامنا المسبقة، وقوانيننا البالية، أخلاقنا الحمقاء.
 
لقد أحب والدتى، يبدو هذا، وكانت تحبه. هذه الرابطة ظلت سرية لدرجة أن أحدا لم يشك فيها. المرأة المسكينة، المتروكة والحزينة، كان يجب أن ترتبط به بـطريقة يائسة، وتأخذ من  إرتباطها به ما لديه من طرق التفكير، نظريات الشعور الحر، جرأة الحب المستقل لكنها كانت خائفة جدا لدرجة أنها لم تكن تجرؤ أبدًا على التحدث بصوت عالٍ، كل هذا تم قمعه، تكثيفه و ضغطه فى قلبها الذى لم يفتح أبدًا.
 
كان شقيقيّ قاسيين بالنسبة لها، مثل والدهما، لم يكونا يرفقا بها، و أعتادا رؤيتها كأنها لا شىء فى المنزل، كانا يعاملاها قليلاً كخادمة.
كنت الوحيد من أبنائها الذى أحبها حقًا وأحبتنى.
لقد توفت. كان لدى ثمانية عشر عامًا فى هذا الوقت. يجب أن أضيف من أجل أن تفهم ما سيتبع هذا، أن زوجها قد خصص له من مجلس قضائى، أن فصل الممتلكات كان قد أعلن لصالح والدتى التى حافظت عليها بفضل حيل القانون والتفانى و التكريس الذكى من محامى، و الحق فى أن تكتب وصية حسب أسلوبها.
 
لقد تم إعلاننا بأنه كأن يوجد وصية لدى هذا المحامى ودعينا لحضور قراءة الوصية.
 
أتذكر هذا مثل الأمس. لقد كان مشهدًا فخمًا، دراميًا، هزليًا، مفاجئًا، نتج عن تمرد و ثورة هذه المرأة المتوفاه بعد وفاتها، عن صرخة الحرية هذه، طلب إسترداد حق من أعماق قبر هذه الشهيدة التى سحقتها أعرافنا خلال حياتها، والتى ألقت من تابوتها المغلق نداءا يائسا للاستقلال.
 
الشخص الذى كنت أعتقد أنه والدى، رجل سمين ملطخ بالدماء أثار فى عقلى فكرة الجزار، وكان أخواى، وهما ولدان قويان يبلغان من العمر عشرين عامًا واثنين وعشرين عامًا، ينتظرون بهدوء فى مقاعدهم.
دعى السيد بورنفال لتقديم نفسه، دخل وجلس ورائى. كان يرتدى معطفه الضيق، شاحبًا جدًا، وغالبًا ما كان يقضم شاربه، الذى أصبح الآن رماديًا قليلاً. ربما كان يتوقع ما سوف يحدث.
 
أغلق المحامى الباب ذو الضلفتان وبدأ يقرأ، بعد أن فتح الظرف المختوم بالشمع الأحمر أمامنا، والذى كان لا يعرف محتوياته.
 
فجأة صمت صديقى، وقام، ثم ذهب لأخذ ورقة قديمة من مكتبه، وفتحها، وقبلها لفترة طويلة، و أستأنف الكلام :
ها هى وصية والدتى الحبيبة:
أنا الموقع أدناه ، آن كاثرين جينيفياف ماتيلد دو كرواكسلوس، الزوجة الشرعية لجان ليوبول جوزيف جونتران دو كورسيل، بصحة جيدة جسديًا وعقليا، أعبر عن أمنياتى الأخيرة.
 
أسأل الله المغفرة أولاً، ثم أبنى العزيز رينيه، على الفعل الذى أنا على وشك أن أقوم به. أعتقد أن طفلى كبير القلب بما يكفى لكى يفهمنى ويغفر لى. لقد عانيت طوال حياتى. لقد تزوجت بالحساب، ثم تم إحتقارى و تجاهلى و إضطهادى و خداعى بإستمرار من زوجى.
أنا أسامحه، لكنى لا أدين له بشىء.
لم يحبنى أبنائى الكبار، ولم يدللونى، وبالكاد عاملونى كأم.
 
لقد كنت لهم خلال حياتى ما كان يجب أن أكون عليه؛ أنا لا أدين لهم بأى شىء بعد وفاتى.
لا توجد روابط الدم بدون عاطفة مقدسة ومستقرة كل يوم.
الأبن الجاحد أقل من غريب؛ إنه مذنب، لأنه لا يحق له أن يكون غير مبال بأمه.
 
لقد كنت أرتجف دائمًا أمام الرجال، أمام قوانينهم الجائرة، وعاداتهم اللاإنسانية، وأحكامهم المسبقة الشائنة. أمام الله أنا لا أخاف أبدا. متوفاه، أنا أرفض من نفسى النفاق المخزى؛ أتجرأ على التعبير عن فكرى والاعتراف والتوقيع على سر قلبى.
 
لهذا، أترك وديعة كل جزء من ثروتى الذى يسمح لى القانون بان أضعه، لحبيبى الحبيب بيير جيرميه سيمون دو بورنفال، لكى يعود بعد هذا إلى أبننا العزيز رينيه.
 
( تمت صياغة هذه الإرادة " الوصية " بطريقة أكثر دقة فى سند موثق).
 
وأمام الله الذى يسمعنى، أعلن أننى كنت سألعن السماء والوجود إذا لم أكن قد وجدت المودة و العاطفة العميقة والمكرسة والحنونة الثابتة التى لا تتزعزع لحبيبى، إذا لم أفهم بين ذراعيه أن الخالق قد خلق الكائنات لكى تحب وتدعم وتواسى بعضها وتبكى معا فى ساعات المرارة.
 
ولداى البكران لديهما السيد دو كورسيل باعتباره والدهما، رينيه وحده مدين بحياته إلى السيد دو بورنفال أدعو الله المسؤل عن الناس ومصاءرهم أن يضع الأب والأبن فوق الأحكام الاجتماعية المسبقة، ويجعلهم يحبون بعضهم البعض حتى موتهم و يحبوننى أيضا فى تابوتى.
هذه هى أفكارى الأخيرة ورغبتى الأخيرة.
 
ماتيلد دو كروالوس.
قام السيد دو كورسيل؛ صرخ : " هذه الوصية لسيدة مجنونة ! "
ثم اتخذ السيد دو بورنفال خطوة وأعلن بصوت عالٍ وبصوت حاد : " أنا، سيمون دو بورنفال، أعلن أن هذه الكتابة تحتوى على الحقيقة الدقيقة. أنا على إستعداد لدعمها أمام أى شخص، و لإثبات هذا حتى من خلال الرسائل التى لدى. "
ثم مشى السيد دو كورسيل نحوه. أعتقدت أنهم سيتدافعون.
 
كانا هناك، كلاهما طويل، أحدهما سمين، والآخر نحيف، يرتجفان. تلعثم زوج أمى فى الكلام، " أنت بائس! " قال الآخر بنفس اللهجة الجافة القوية، " سنلتقى فى مكان آخر ، سيدى." كنت سأصفعك وأستفزك منذ وقت طويل لو لم أقدّر قبل كل شىء الهدوء خلال حياة المرأة المسكينة التى جعلتها تعانى كثيرا "
 
ثم التفت إلى: "أنت أبنى. هل تريد أن تتبعنى؟ ليس لدى الحق أن أأخذك ، لكننى سآخذه، إذا كنت تريد ان تأتى معى. "
 
صافحته دون أن أجيب. وخرجنا معا .كنت، بالطبع، مجنونا ثلاثة أرباع.
 
بعد يومين كان السيد  دو بورنفال قد قتل السيد دو كورسيل فى مبارزة.
أخواى، خوفا من فضيحة رهيبة، ألتزما الصمت. تنازلت لهما وقبلا نصف الثروة التى تركتها والدتى.
 
أخذت أسم والدى الحقيقى، وتنازلت عن الأسم الذى كان قد أعطانى إياه القانون والذى لم يكن لى.
توفى السيد دو بورنيفال منذ خمس سنوات. أنا لم أتعز بعد.
 
قام، وسار بضع خطوات، ووضع نفسه أمامى : "حسنًا! أقول إن وصية والدتى هى واحدة من أجمل الأشياء وأكثرها ولاءً وأعظم الأشياء التى يمكن لسيدة أن تفعلها. أليس هذا رأيك؟ "
مدّدت له كلتا يديى: " نعم، بالتأكيد يا صديقى. "
 7 نوفمبر 1882