بقلم: مدحت بشاي
قال القيادى الإخوانى البارز صبحى صالح، واللى نسى منا دوره فى زمن الإخوان هو عضو لجنة «البشرى» لوضع التعديلات الدستورية بعد ثورة 25 يناير (بداية صعود المنحدر الإخوانى وفق تعريف «مرسى» العجيب، وبداية إعلان النوايا من أول خطوة بعد الثورة).. قال صالح «أسأل الله أن يتوفانى على الإخوان»، وبالطبع هى فى أصل المقولة «اللهم أمتنا على الإسلام»، ولكن وبسرعة قام إخوانى آخر فهلوى بإخراجه من المأزق، فقال «مع تحفظى على طريقة قوله ذلك، مش المقصد منها إن الإخوان ديانة والعياذ بالله، ولكن الإخوان وسيلة لنصرة هذا الدين وهو يرى أنها الوسيلة الأمثل، فدعا الله أن يعمل لدينه حتى آخر لحظة فى حياته».

تذكرت تلك المقولة الإخوانية، والعالم كان يحتفى من حوالى شهر بذكرى وفاة المفكر الفرنسى المرموق فولتير (1694-1778) وهى الذكرى السادسة والثلاثون بعد المائتين، وهو صاحب مقولة مُقابلة كتبها كوصية له وهو فى أيامه الأخيرة «إن فولتير يموت على عبادة الله وكراهية الكهان» رداً على تدخل ووصاية الكنيسة المرفوضة فى زمانه.

ولأن «فولتير» كانت من قضاياه الرئيسية المطالبة بحرية التعبير والتسامح الدينى، فقد خاض فى زمانه معارك هائلة مع الكنيسة، وكان لفكره وفكر أقرانه من المفكرين والمصلحين الأثر والدور الهام لتحريك وتفعيل الثورة الفرنسية. و«فولتير» اسمه الأصلى «فرانسوا آريت»، أما «فولتير» فهو اسم عرف به لما سجنوه للمرة الأولى فى سجن الباستيل، وتكرر سجنه أكثر من مرة. حتى فر بجلده من كل فرنسا فبقى مشردا حتى آخر حياته بين بريطانيا وبروسيا، وكان الملك لويس الخامس عشر قد أصدر قراراً بمنع دخوله لفرنسا وحَرمت الكنيسة وجود كُتبه واعتبرته هرطيقاً مخربا للعقيدة الصحيحة وهادماً لتعاليمها. وبعد سجنه الثانى فى الباستيل أخرج منه بشرط أن يذهب باتجاه بريطانيا، وعجبه أن فيها أكثر من ثلاثين مذهباً دينياً بدون قس واحد.. ومن أشهر شعاراته «اسحقوا عار التعصب الدينى» تعقيبا على ما شاع حول حكاية حب بين شاب كاثوليكى وفتاة بروتستانتية، وكان هذا سببا كافيا لمنع زواجهما، بل طلبوا قتل الشاب، وخلال الثورة الفرنسية كان نداؤه يكرره الثوار «اشنقوا آخر إقطاعى بأمعاء آخر قسيس».. قال عنه المؤرخ الأمريكى ويل ديورانت فى كتابه «قصة الفلسفة» إنه كان قبيحاً مختالا فصيحا، واستطاع أن يكتب فى عمره المديد الذى طال حتى 84 سنة 99 كتاباً تتألق كل صفحة منها بنور الحكمة والفائدة.

ورغم مرور أكثر من قرنين من الزمان على حكاوى الصراع بين المؤسسات الدينية وأهل الفكر والإصلاح فى بلاد الفرنجة، بالفصل الكامل بين المؤسسة الدينية ونظام الحكم، لايزال رجال الدين لدينا يمارسون وصايتهم على الناس.. ففى تصريح غاية فى العناد، وبغير إدراك من مُطلقه لواقع البلاد والعباد، قال الأنبا يؤانس أسقف عام الخدمات بالكاتدرائية المرقسية فى حواره مع «عزت بولس» رئيس تحرير «أقباط متحدون» أهم موقع إلكترونى مسيحى.. قال « بالطبع الكنيسة هى الممثل السياسى للأقباط وستظل كذلك» فى وصاية سياسية غير مقبولة على المواطن.

أيضاً وعبر حلقة تليفزيونية للإعلامى وائل الإبراشى تابع المشاهد أساتذة وعلماء دين بجامعة الأزهر يرفضون الحوار المفيد مع أصحاب رأى ورؤى إصلاحية، يبدون فيها انزعاجهم وخوفهم ورفضهم لبعض ما يُكتب على صفحات مقررات المناهج الدراسية لطلاب المدارس الأزهرية، لمخالفتها صحيح الأديان ولإثارتها العديد من الفتن، ومطالبتهم بمراعاة الجوانب التربوية والنفسية والاجتماعية والقيمية، والتى منها ما يتعلق بنفى الآخر والتحريض على العنف.. وبدلاً من تقديم الشكر للتعاون ولفت النظر كان الإنكار الغريب، وكنت أتصور تقديم الاعتذار والوعد بتدارك الخطأ فى أقرب فرصة بدلاً من أن يصل الأمر بأحدهم أن يقول «أيوة غلط بس لا يمكن حذفها، إنما ممكن الإشارة إلى أنها غلط». إلى هذا الحد يتشارك الإعلام مع المؤسسات الدينية فى اختيار الناس الغلط فى إقامة حوارات تتعلق بالأمن القومى وإقامة حالة السلام والتعايش الإنسانى، فى فترة تعيش فيها المنطقة على صفيح ساخن فى مواجهة الإرهاب!!

medhatbe@gmail.com