محمد حسين يونس

 أندهش  للشخص الذى يولد في بقعة ما .. و يعيش فيها لسنين طويلة .. ثم يتوفي في نفس المكان .. لا يغيرة عبر ستين أو سبعين سنة .. هي عمره . 

البقاء في مكان واحد و مزاولة مهنة واحدة ..وعدم التغيير .. إلا بالزواج  التقليدى و الإنجاب  الكثيف ..أمر يتبعه السكون .. و الركود .. والجمود  القيمي الذى يجعل من صاحبه  متحفظا و يؤدى إلي إنخفاض الحصيلة المعرفية لديه .. و عدم التطور .. و قد يؤدى للإنكسار عندما تتغير الظروف حوله .. و لا يستطيع مواكبتها .. و التعديل من روتينه اليومي 
.
الفلاح المصرى في الغالب حدث له هذا لألاف السنين .. فهو يولد في قريته .. و يتعلم أسباب الحياة فيها يتقنها حتي نهاية مرحلة الطفولة .. 
ثم يظل يزاول نفس  إسلوب الحياة حتي سن الثمانين .. لا تزيد معارفة التي حصلها  في صباة .. إلا قليلا .
 
 لذلك كان من الممكن .. لمراكز القوى سواء حكام أو مستعمرين أو رجال دين أن يوظفوا ركودة و إلتصاقة بالأرض .. و يستغلونه أبشع إستغلال . 
في بعض الأحيان يقوم الحاكم .. بإسترقاق .. للبعض و تسخيرهم في أعمال خاصة به .. كشق الطرق أو إصلاح منظومة الرى أو اداء للخدمات الدنيا في المدينة وللجيوش الغريبة التي تخوض حروب ..
 
فيظل الشخص الذى تم إختطافه من بيئته يحلم بيوم العودة  لارضة حتي لو كان لا يمتلك فيها شبرا .. في حنين  يعطل عليه تطوير إمكانياته أو قدراته و الخروج من الدائرة  الضيقة التي وجد فيها يوم ميلادة . 
التأقلم مع الأوضاع المستحدثه ..و تطوير الذات ..عمل ممجوج لدى المصرى القادم من أصول ريفيه .. 
 
يغادر القرية أو الكفر .. و يعمل سايس في جراج أو غفير أو بواب .. و سرعان ما يجد قطعة أرض مجاورة يزرعها بإحتياجاته المعيشية .. و يربي كام فرخة علي بطة علي أوزه .. و يتزوج و ينجب أطفال يعيشون معة في غرفة البواب .. يقومون بعد فترة  بتدوير نفس السلوك و المهنة .. و يرتبطون بشوق غريزى للمكان الذى أتي منه عائلهم .
 
هذا الحال إستمر طويلا  حتي مطلع القرن التاسع عشر  .. المصرى فلاح مرتبط بالأرض يزاول مهنته بنفس طريقة الأباء و الأجداد و .. و حياته تخضع لعدد من القواعد الجامدة  التي لا تتغير إلا قليلا . 
 
في الزمن الحديث ..  خلال القرنين التاسع عشر و العشرين  .. حدث تغيرا ملموسا  في معادلة الركود هذه .. 
لقد تعلم بعض من الفلاحين ..و إنتقلوا لأماكن أخرى يزاولون مهن مستجدة ..كالتجارة .. و الصناعة .. و العمل في الجهاز الإدارى الضخم الذى أنشأة محمد علي و من تلاه .. كتبه و مشرفين و معلمين .. و قضاه و جنود .. و ممرضين و ضياط .. و في بعض الأحيان مهندس أو طبيب .. و لكن لاعداد أقل .
 
و مع ذلك  ظل البك أو الافندى .. يحمل نفس سمات الحياة القروية  بل نفس اللهجة و إسلوب الحديث .. لا يندمج إلا قليلا مع الطبقات الأرستقراطية التي أتي بها المستعمر لتحكم . 
 
نقلتين نوعيتين حدثتا بعد ذلك .. في منتصف القرن العشرين  مع حكم الضباط و عبد الناصر .. إذ زحف الريف علي المدن و صبغها  بملامحة .. 
و مع إنشاء التلفزيون و دخولة لقرى مصر و نجوعها و ما أحدثه من تغيير في إسلوب حياة المصريين .. لازال  يتطور مع الأيام .
 العلم .. و تغيير الوظائف و الإعلام .. غيروا من طبيعة المصرى  .. و جعلته يهجر أرضه .. و يهاجر سواء للمدن أو لخارج الحدود .. مؤقتا أو بشكل دائم ..
 و مع ذلك .. لم  تتغير طبيعة الفلاح المحافظ المتوكل الذى يقبل الجور و يستسلم للطغاة و الجبارين ..ولم يتغير السلوك القروى أو الريفي . للغالبية العظمي من سكان هذا البلد خصوصا في ضيق الأفق و عدم تعديل ما تعلموه من أفكار الطفولة ..
 
فهل للطبيعة الجغرافية  للمكان .. شأن بهذا .. و هل إذا توقف النيل عن الورود  سيتغير سلوك البشر .. بصراحة الموضوع أكبر من التوقعات .