بقلم مجدى جور ج باحث اقتصاد دولى بفرنسا 

"إِنَّمَا بَاطِلٌ بَنُو آدَمَ. كَذِبٌ بَنُو الْبَشَرِ. فِي الْمَوَازِينِ هُمْ إِلَى فَوْقُ. هُمْ مِنْ بَاطِل أَجْمَعُونَ." 
 
واجمعون هنا تعني الجميع فحتي رسل المسيح والانياء كانت لهم اخطائهم وخطاياهم  والبابا شنودة لم يكن الا واحدا من هولاء .
 
والبابا شنودة الذي استمر علي كرسيه اربعين عاما  كان له ما له وعليه ما عليه ( وهذه كلمة نسطرها لمن لا يرون فيه الا كل سوء ونكتبها لكل من ينزهه عن الاخطاء وكانه ليس من البشر ) .
 
واذا بدانا ببعض  اخفاقاته او اخطائه فنذكر منها :-
اولا قصة صدامه مع الدولة التي قال بها البعض  ، فالبابا وصل للكرسي المرقسي مع بداية عهد السادات وكلنا نعرف ما فعله السادات الذي استدعي طلاب التيار الاسلامي لضرب اليسار ثم سرعان ما تحولوا الي مهاجمة  الاقباط في الجامعات والمدن الجامعية فشكي الطلاب ولم يسمع لهم احدا لان هوي الدولة اصبح سلفي وهابي بعد ان كان يساريا فلم يصمت الرجل بل ذهب للسادات وشكي له ما يحدث للطلاب الاقباط فهل هو من سعي للصدام ؟ ام ان الامر هو انه كان مثل الاب الذي راي اولاده في مثل هذا الموقف فذهب لراس الدولة ليشكو له حالهم  فهل كان يجب عليه عدم التدخل والصمت ؟!
ثانيا خلافه مع البعض حول الكنيسة وطبيعتها وهل هو دور روحاني فقط ام لابد لها ان يكون لها دور في الشان العام فقد عاب عليه البعض هذا الامر ولكن من الذي دفعه ودفع الكنيسة دفعا للاهتمام بالشان العام اليس هو النظام بعينه الذي همش وظلم واضطهد الاقباط لان الدولة اصبح هواها سلفي وهابي فتحت المجال العام كله امام  التيار الاسلامي فكان واجب علي الكنيسة ان تتدخل لاحتواء شعبها حتي لا يبتلعه كله هذا التيار الجارف .
ثالثا اخطاء مالية وادارية ارتكبها بعض ذوي القربي والمعارف من المحيطين بقداسته وهذا لانشغال الرجل بمسؤليات جسام  وتركه هذه الامور في يد اناس حسن ظنه فيهم وهم لايستحقون . 
رابعا خلافه مع السادات في التطبيع واصراره علي عدم زيارة الاقباط للقدس الا مع المسلمين ومردود عليه بان الرجل وجد ان الاغلبية والتيار العام في الشارع ينظر لكل مطبع ولكل من يزور اسرائيل علي انه خائن وعميل فلذلك خاف علي الاقباط من هذا التيار وهذا الشارع فمنع الاقباط من زيارة القدس . مع انه كان يمكن اعتبار مثل المسلمين الذين لم ينقطعوا ابدا عن زيارة السعودية رغم الحرب السعودية المصرية في اليمن وحالة العداء التي كانت بين ناصر وال سعود .
 
خامسا خلافه مع البعض في بعض المسائل اللاهوتية والدينية فلا تنسوا انه كرأس لاكبر كنيسة في الشرق وكنيسة من اقدم الكنائس في العالم لها تقاليدها ولها اسسها  تصور انه لايمكن ولايصح تغييرها مع ان هذه الاسس والقواعد والقوانين ليست كلها منزلة بل  كثير منها من صنع بشر يمكن تغييرها لانه كما قال المسيح  عن الوصية ( جعل السبت لخدمة الانسان ولم يجعل الانسان لخدمة السبت ) .
 
ماسبق هو  بعض اخفاقات واخطاء الرجل ولكن ان اتينا الي سجل انجازاته واعماله  فسجله حافل بالانجازات وصفحته مليئه بالاعمال والمواقف واذا اردت  التحدث عنها فحدث ولا حرج :-
 
اولا في بداية عهده وفي موضوع الخانكة عندما ارسل عشرات الكهنة والاساقفة يتقدموا الشعب للصلاة في الكنيسة التي تم حرقها وما حدث بعدها من اعتداءات طائفيه علي اقباط المنطقة وهذه كانت اول إعتداءات طائفية في عهد السادات ، والمهم ليس في موقف البابا هنا  ولكن الاهم هو ان هذا الموقف الشجاع الجسور جعل مجلس الشعب يناقش هذا الامر وشكلت لجنة العطيفي من مسيحيين ومسلمين والتي لو نفذت توصياتها ما كان الاقباط عانوا ما عانوه وما كانت كل هذه المشاكل قد حدثت بسبب موضوع بناءً الكنائس.
 
ثانيًا عندما اعلن مجلس الشعب عن التفكير في فرض قوانين الردة لم يصمت الرجل رغم الصحوة الاسلامية التي كانت في بدايتها ولو صمت  الرجل وقتها  كنا لازلنا نعيش هذه القوانين حتي يومنا هذا وماكان قد تجرأ احد علي الغائها ابدا( مثلها مثل المادة الثانية من الدستور )  ولولا وقفة البابا شنودة التي انقذت ليس الاقباط فقط ولكن المسلمين ايضا  كذلك ومصر كلها من هكذا قوانين كانت ستحول مصر الي نموذج باكستاني او افغاني .
 
ثالثا الجرائم المرتكبة ضد الاقباط في عهد مبارك واهمها جريمة الكشح والقديسين ، في الكشح رفض ان يخرج المشايخ في جنازة شهداء الكشح  وكانه يقول لهم ( تقتلوا القتيل وتمشوا في جنازته ) وارسل وقتها اسقفين كبيرين لتقصي الحقائق والصلاة علي الشهداء واصر علي معاقبة الجناة والسير في اجراءات التقاضي حتي اخرها وعندما خذله القضاء المتعصب الوهابي الهوي قال في محاضرة عامه علي الملا وامام الجميع اننا فشلنا في اخذ حقوق هولاء الشهداء امام المحكمة الارضية لذا فاننا نرفع شكوانا الي الله .
 
وفي موضوع القديسين عندما جاء له مندوب من رئيس الوزراء لدعوته لمقر المجلس  لمحاولة تهدئة الاوضاع رفض الدعوة فتعجب مندوب رئيس الوزراء قائلا له لاتنسي انه رئيس الحكومة المصرية فرد البابا قائلا وانت لا تنسي انني رئيس اكبر كنيسة في الشرق الاوسط ولا تنسي انني المعتدي علي وعلي اولادي فكيف لي ان انتقل الي هناك هم من المفروض ان ينتقلوا الي لتعزيتي .
 
ورايناه كيف قابل صفوت الشريف واحمد فتحي سرور بعد هذه الحادثة الذان  فوجئا بمقابلته الجافة لهما لدرجة انهما لم يجدا ما يقولانه  .
 
رابعا في مسالة  الاعتداء علي الاقباط وخطف القبطيات كان اسدا جسورا سمح للمتظاهرين بالتظاهر في قلب الكاتدرائية ،  هو نفسه غصب وهدد كثيرا بعدم الاحتفال بالعيد والاعتكاف في الدير وكان مبارك يرسل مندوبه زكريا عزمي اليه مهددا تارة ومتوعدا تارة ومحاولا حل المسائل الشائكة تارة ولكنه لم يصمت ولم يستسلم بل اثار خطف القبطيات وارغم احيانا وزارة الداخلية ( المتواطئة) علي ارجاع المختطفات مثل فتاتي الفيوم ومثل زوجات الكهنة وغيرهن في موقف لازلنا نحلم به ونتمناه ان يحدث الان .
خامسا قداسة البابا نقل الكنيسة المصرية من المحليه الي العالميه فانتشرت الكنائس القبطية في مختلف انحاء المعمورة شرقا وغربا شمالا وجنوبا حتي الدول العربية التي كان نادرا ما تجد كنائس بها اصبح منظر الكنيسة فيها مالوف واصبح الاقباط قوة ناعمة للكنيسة وقوة ناعمة ومدعمة لمصر في كل المجالات.
سادسا  الكنيسة المصرية اصبحت مسموعة ومعروفه علي مستوي العالم اجمع فاستقبل البابا ورحب به كبار قادة العالم من كارتر وبوش امريكا  الي ميتران فرنسا الي دانييل اراب موي كينيا الي منغستو هيلاسيلاسي أثيوبيا ونيلسون مانديلا جنوب افريقيا الي الشيخ زايد والملك عبدالله الاردن وياسر عرفات وجعفر نميري وحافظ الاسد والكثير من رؤساء لبنان  وكان الرجل يستقبل استقبالا رسميا في معظم جولاته الخارجية .
 
فقد كان لقداسة البابا مهابة ومخافة وكاريزما وكان يجيد  العديد من اللغات مما سهل له التواصل مع اغلب زعماء العالم بدون اي عوائق او حواجز .
سابعا علي المستوي المحلي خلق صداقات وعلاقات جيدة مع الكتاب والمفكرين لانه كان كاتب وشاعر وصحفي يجيد التواصل مع الناس فحتي الذين اختلفوا معه احترموه فقد كسب  ود واحترام  بعض الد اعداء المسيحية الشيخ الشهير  الذي كان يتهكم علي المسيحية ليل نهار في التلفزيون والصحافة  فاصبح صديق له تبادل معه بعض الكتب وبعض الاشعار .
 
وكان ضيف  التلفزيون المصري لمرات عديدة يدلي بدلوه في الاحوال والامور القبطية والعامة وكان ضيف في معرض الكتاب وجاوب بكل اريحيه وصراحة عن ايمانه وعن كل الاسئلة التي تدور في اذهان الاسلاميين .
 
ثامنا كان خطيب مفوه سحر الاقباط بعبارته الواضحة واسلوبه الشيق الجميل  واسلوبه الفكاهي وفمه الباسم الضاحك فكنت لا تجد مكانا لقدم في اجتماعاته التي كان يحضرها الالاف من الاقباط كل يوم اربعاء والتي حرص عليها وعلي تواجده فيها رغم كل الالامه حتي قبل رحيله بايام قليله وهنا تقيس مدي نجاحه الحقيقي بغيرة السلفيين منه بقيامهم بالاستيلاء علي اراضي حديقة عامة في العباسية لاقامة مسجد النور عليها غيرة وحسدا لنجاح هذا الرجل في اجتماعاته التي كان يحضرها الالاف المؤلفة .
 
تاسعا كان كاتب يملك كل ملكات وصفات الكتاب الكبار من وضوح الفكرة وتسطيرها ونقلها للقارئ باسلوب بسيط شيق وكان صحفي جعل من مجلة الكرازة منارة كان الاقباط ينتظرونها كل اسبوع في تلهف وشغف .
 
عاشرا من يعيب علي البابا تواجده ودفاعه عن الاقباط هو نفسه من كتب عن كنيسة لاهوت التحرير  في امريكا اللاتينية   مشجعا لها لانها وقفت  مع شعبها في وجه الفاشية والديكتاتورية وهم من اشادوا بالبابا يوحنا بولس الثاني الذي وقف في وجه الشيوعيه ولكنهم استكثروا علي البابا وقوفه بجانب شعبه .
 
فالبابا الراحل كان يستحق جائزة نوبل مثل القس ديزموند توتو الذي وقف مع شعبه ضد التفرقة العنصرية بجنوب افريقيا والبابا شنودة كان  يستحقها لوقوفه ضد نظام التفرقة الدينية والطائفية في مصر ويستحقها لانه وقف في وجه قانون بغيض كان من الممكن لو طبق ان يقضي علي الاخضر واليابس في مصر ويقضي علي المسيحية في مصر وهو قانون الردة البغيض ولكن لان هناك مواءمات سياسة ودولية لم يحدث هذا .