CET 00:00:00 - 17/02/2010

مساحة رأي

بقلم: د.عبد الخالق حسين
وأخيراً نجحت الهيئة التمييزية في تأكيد مصداقيتها وإستقلاليتها بعد أن أصدرت قرارها الأخير في طعون المبعدين عن الانتخابات المقرر إجراؤها في 7/3/2010. وقد بررت الهيئة قرارها الأول في تأجيل النظر في الطعون إلى ما بعد الانتخابات بضيق الوقت، لأنها اعتقدت في أول الأمر أن المطلوب منها النظر في ملفات جميع المرشحين المبعدين بقرار هيئة المساءلة والعدالة والبالغ عددهم نحو 511 مرشحاً و14 كياناً سياسياً. وهذا فعلاً يستغرق وقتاً، ولكن بعد موجة الاعتراضات على قرارها الأول، واطلاعها على العدد المطلوب النظر في طعونهم هو 177 فقط، وهذا العدد قليل يمكن النظر في ملفاتهم في أيام قلائل، لذلك عقدوا العزم على إنجاز المهمة في أيام قلائل، وهكذا كان.

وكانت حصيلة القرار الأخير للهيئة التمييزية حسب بيان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات السبت (13/2/2010) أن العدد النهائي للمرشحين المبعدين بسبب شمولهم بإجراءات اجتثاث البعث هو 145 مرشحاً، مع السماح لـ 26 آخرين بالمشاركة وذلك بعد تدقيق ملفات 177 مرشحاً قدموا طعوناً ضد اجتثاثهم من بين اكثر من 511 مرشح تم استبعادهم من خوض الانتخابات بقرار من هيئة المساءلة والعدالة.

ومن المفيد هنا التأكيد على إن ممارسة الديمقراطية ليست سهلة وخاصة في شعب لم يمارسها من قبل كالشعب العراقي. كذلك لا تعني الديمقراطية بلا صراعات ومنازعات وخلافات، بل هي آلية لإدارة هذه  الصراعات والأزمات ولكن بالطرق الحضارية وبدون سفك دماء. فالديمقراطية هي عبارة ثورات مستمرة ولكن على شكل حروب كلامية في الشعوب المتطورة، وقد تسفك فيها الدماء في الشعوب حديثة العهد بالديمقراطية خاصة في أوقات الانتخابات. ولذلك يجب أن لا نستغرب من هذا الصراع المحتدم الدائر الآن بين القوى السياسية العراقية الفاعلة على الساحة، كما ولن استبعد اتباع البعض أقذر الوسائل والأساليب التسقيطية ضد الخصوم المنافسين في هذه الحملة الانتخابية.

فالديمقراطية وكما قال عنها العلامة علي الوردي: "إن نظام التصويت الذي تقوم عليه الديمقراطية الحديثة، ليس هو في معناه الاجتماعي إلا ثورة مقنعة، والانتخاب هو في الواقع ثورة هادئة. حيث يذهب الناس الى صناديق الانتخاب، كما كان اسلافهم يذهبون الى ساحات الثورة، فيخلعون حكامهم او يستبدلون بهم حكاما آخرين." ويستشهد الوردي بقول المفكر الاميركي ليمان:”ان ثوار الأمم الديمقراطية يستخدمون اوراق التصويت بدلا من رصاص البنادق“ Ballots instead of bullets  (علي الوردي، وعاظ السلاطين، ص266.)

ولكن الملاحظ، ونقولها بأسف، أن الكتلة "العراقية" بقيادة السادة (أياد علاوي- صالح المطلك-الهاشمي -ظافر العاني) والتي تضم على العموم بعثيين سابقين وربما بعثيين حاليين، لم تستطع التحرر من عادتها البعثية القديمة في التلميح والتلويح باستخدام العنف حتى في النظام الديمقراطي. فقد رحب قادة هذه الكتلة بحماس بالقرار الأول للهيئة عندما جاء ملائماً لتوجهاتهم وآمالهم، بغض النظر عن صحة تهمة الإبعاد أوعدمها، وأثنوا كثيراً على موقف الهيئة التمييزية وحيادية القضاء العراقي. ولكن ما أن تغير القرار الثاني للهيئة المذكورة وتم فيه إبعاد 145 مرشحاً من بينهم صالح المطلك وظافر العاني، حتى انقلبت الآية، فراحت قيادة الكتلة العراقية تتهم الهيئة بأنها أذعنت لضغوط إيران، وأن هذا الإبعاد جاء هدية للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بمناسبة الذكرى 31 للثورة الإيرانية الإسلامية. بل وراح السيد أياد علوي رئيس الكتلة إلى أبعد من ذلك إذ لمح بـ"الحرب الأهلية".

أما السيد صالح المطلك فقال: "... أن قرار الهيئة التمييزية جاء بعد ضغوط إيرانية لإبعاد العناصر الوطنية عن قيادة العراق... وأن من جاؤوا على موائد الاحتلال لا يمكن أن يكونوا وطنيين ويشاركون في بناء العراق." علماً بأن السيد أياد علاوي رئيس الكتلة هو الآخر "جاء على موائد الاحتلال".  أما العاني فقال ان إبعاد الرموز الوطنية من المشاركة في الانتخابات يستهدف القائمة العراقية التي تضم الكثير من العناصر الوطنية .. وتساءل قائلاً: كيف جاء القرار بالتزامن مع ما يسمى بعيد الثورة الإيرانية. واضاف ان اتخاذ هذا القرار في هذا الوقت يدل على مدى تغلغل النفوذ الإيراني في القرار السياسي في العراق.. مطالبًا بـاجتثاث من اسماهم  "الخونة والعملاء من العملية السياسية في البلاد".(تقرير إيلاف ليوم 14/2/2010).

كما ولخص الكاتب محمد ضياء عيسى العقابي في مقاله الموسوم (ستراتيجية "إئتلاف العراقية" خطيرة للغاية!)، تهديدات قيادة القائمة العراقية بـ["الحرب الأهلية" وإعلان السيد صالح المطلك حول إحتمال دعوته "الجماهير لحمل السلاح" وتصريح السيد النائب حسن ديكان إلى ما قارب القول بأنه إتفق مع وزير الدفاع على "تحريك الجيش"؛ إلى تصريح المطلك ورفاقه بأن توصيات هيئة المسائلة والعدالة أملتْها جهة أجنبية وأن قرار الإستبعاد إتُخذ في بيت السفير الإيراني وأن الأمر قد يثير حربا أهلية، ثم تحذيره الهيئة التمييزية بتأريخ 10/2/2010 من أنها قد تتسبب بسقوط ضحايا أبرياء على أيدي مسلحين]. أليس هذا تهديد مبطن بالعنف؟

كل ذلك يؤكد تكتيكات بعثية بامتياز في إبتزاز كل من يختلف معهم. إذ كما قال النائب عزت الشابندر: "إن لجوء هؤلاء إلى التنويه بالعنف والعمل الإرهابي واستماتتهم في الدفاع عن البعثيين المستبعدين، في واقع الحال يضرّون بهم لأنهم ُيظهرون أن هناك ربطٌ  بينهم وبين الإرهاب." وتأكيداً على ذلك فإن النائب مثال الآاوسي اتهم طارق الهاشمي (أحد قادة الكتلة العراقية، بدعم الإرهاب ويتجه لرفع دعوى قضائية ضده. (رابط تقرير صحيفة الشرق الأوسط، في ذيل المقال.)

والجدير بالذكر أن تهديدات قادة الكتلة العراقية جاءت متزامنة ومتناغمة مع تهديدات تنظيم ما يسمى بـ"دولة العراق الاسلامية" القريب من القاعدة باستهداف الانتخابات العراقية والمشاركين فيها. إذ كما جاء في تقرير موقع بي بي سي العربية: "دعا زعيم التنظيم ابو عمر البغدادي عبر شريط فيديو وضع في بعض المواقع الالكترونية وعرضته بعض القنوات الفضائية العربية الى افشال و"منع الانتخابات بكل السبل المشروعة الممكنة وعلى رأسها السبيل العسكري".
كما ويحاول البعض العزف على الوتر الطائفي، باعتبار منع المرشحين لإرتباطاتهم بحزب البعث المنحل أو الترويج له أنه اجتثاث للسنة العرب، علماً بأن عدد المبعدين الشيعة من الترشيح هو أكثر من عدد السنة العرب وفيهم عدد من المرشحين ضمن قائمة "دولة القانون" بزعامة السيد نوري المالكي، رئيس الحكومة. وهذا ينفي الدافع الطائفي من قرار الهيئة.

أعتقد أنه كان على الدكتور إياد علاوي، تجنب التكتيكات البعثية وأساليبهم الابتزازية القديمة في دفاعهم عن البعثيين المبعدين، خاصة وهو يطرح نفسه كديمقراطي علماني ليبرالي. ولكن موقفه هذا قد أساء إلى مكانته لدى الجماهير العراقية التي اكتوت بمظالم حزب البعث، وذوي المقابر الجماعية. إذ كان عليه أن أن يتقبل القرار الثاني للهيئة التمييزية وإلتزامه به خاصة وأن قرارات الهيئة ملزمة لجميع الأطراف وفق القانون الذي أقره البرلمان العراقي. ولكن بدلاً من ذلك راح السيد أياد علاوي يلمح بالحرب الأهلية وغيرها من وسائل العنف. وآخر تهديد لهم هو: مقاطعة الانتخابات في مسعى منهم أن تفقد هذه الانتخابات شرعيتها وإراق البلاد في صراعات دموية لا سامح الله. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن السيد علاوي ورفاقه في الكتلة العراقية، لم يتخلصوا بعد من السلوك البعثي وأساليبه، ولم يؤمنوا أساساً بالعملية السياسية في العراق، بل مازالوا لا يقبلون بالعراق الجديد إلا إذا كان الحكم بأيديهم وليس بأيدي غيرهم، فإما هم يحكموا العراق أو الحرب الأهلية وليكن من بعدي الطوفان...!!! 

وفي تقديري أن "قائمة العراقية" بقيادة السيد علاوي سوف لن تحقق نصراً انتخابياً يذكر  في محافظة بغداد والمحافظات الجنوبية، وربما تحقق بعض النصر في المحافظات الغربية فقط. ولهذا نلاحظ  من الآن بدأ أنصار قائمة (العراقية) يطعنون بمصداقية الانتحابات القادمة ويشككون بنزاهتها ومهما حاول المراقبون الدوليون والعرب ضبطها وذلك لتهيئة الأذهان لهزيمتهم.

سألني صديق عزيز، وهو مفكر عربي كبير وصديق لشعبنا، لماذا لا تمنحوا البعثيين غير الصدامين فرصة لإختبارهم على حقيقتهم فربما ينفعون. فكان جوابي هو الآتي: لقد جرب الشعب العرقي البعث غير الصدامي عام 1963، فقد أغرقوا شعبنا في أنهار من الدماء وأحالوا عدداً من شوارع بغداد ونواديها والساحات الرياضية إلى معتقلات وأماكن قتل وتعذيب لخيرة الوطنيين العراقيين، وقتلوا نحو 20 ألف عراقياً خلال أسبوع، ولم يكن صدام آنذاك قيادياً، أما حكم البعث في عهد صدام فحدث ولا حرج، ولا داعي للتكرار. وهل البعث السوري هو صدامي، وهل أنت راض عليه يا صديقي العزيز؟ أما يكفي الشعب العراقي أربعين عاماً من تجربة حكم التيار القومي والبعثي لكي يمنحوهم المزيد من الفرص؟ 

وختاماً، أود أن أنصح السادة في قيادة الكتلة العراقية، أن يحاولوا قدر الإمكان إبعاد أنفسهم عن البعث الفاشي، والعمل على إنجاح الديمقراطية في العراق، فالبعث قد انتهى وإلى الأبد، والتكتيات البعثية القديمة لا تفيد بل سيكون مردوها معكوس على من يمارسها، والديمقراطية العراقية محكوم لها بالنجاح ومهما كانت التضحيات.
 

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع
شارك بآرائك وتعليقاتك ومناقشاتك في جروبنا على الفيس بوك أنقر هنا
أعرف مزيد من الأخبار فور حدوثها واشترك معانا في تويتر أنقر هنا
  قيم الموضوع:          
 

تقييم الموضوع: الأصوات المشاركة فى التقييم: ٠ صوت عدد التعليقات: ٠ تعليق