CET 00:00:00 - 19/02/2010

مساحة رأي

بقلم: جرجس بشرى
كنت قد توقعت منذ ما يُقارب أربعة أشهر تقريبًا بأن الرئيس مبارك سوف يرشح نفسه للرئاسة في الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها مصر خلال عام 2011، بعد أن يضغط عليه حزبه وبرلمانه وحكومته وبعض الأبواق المؤيدة له لكي يترشح لهذا المنصب فترة تالية بحجة أنه هو الوحيد الذي يتمتع بقدرة وخبرة سياسية كبيرة تجنب مصر ويلات كثيرة.

والحق أقول أن الرئيس مبارك أو الملك مبارك "لا تنسوا أنه متربعًا على كرسي الرئاسة منذ ما يقارب 29 عامًا" من الرؤساء الذين يتمتعون بخبرة سياسية وحنكة عالية خاصة وأنه يتميز بقدرة فائقة على ضبط النفس في أصعب الأزمات التي تمر بها البلاد، لا يستطيع أن ينكر المُعارضين لمُبارك بل وألد أعدائه أنه استطاع وبسياسة متزنة حسده عليها كثيرين أن يجنب مصر ويلات حرب كان مؤكدًا حدوثها لو كان هناك رئيس آخر مكانه أثناء العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة، ولا يتهمني أحدًا هنا بأنني أنافق الرئيس وفي هذه النقطة بالذات وبالتحديد، فأنني كثيرًا ما أتناول الرئيس مبارك بالنقد اللاذع والشديد لسياساته التمييزية تجاه أقباط مصر وغيرهم من الأقليات الدينية، فهو من الحُكام العقائديين بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهذا من الممكن أن يقلل فرص اختيار الأقباط والأقليات الدينية في مصر بل والشيعة له عندما يتخذ قرارًا بترشيح نفسه للإنتخابات الرئاسية القادمة ليعطوا أصواتهم للمُرشح الذي يضع في جدوله الانتخابي حماية وصون الحريات الدينية وعدم التمييز بين المواطنين المصريين في الوظائف والتمثيل النيابي والبرلماني.
ولقد سمعنا وقرأنا وشاهدنا الحملة الشرسة التي شنتها بعض الصُحف والمنابر الإعلامية الرسمية ضد الدكتور محمد البرادعي "مُدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق" بعد مطالبة القوى المعارضة له بترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية القادمة، وبعدها أكد البرادعي في بيان نشرته صحيفة الشروق أنه سيقبل الترشُح لهذا المنصب إذا ما رأت أغلبية المصريين أن ذلك في مصلحة الوطن.

والحق أقول أن ترشيح البرادعي لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية المقبلة سوف يحدث عملية حراك فعلي لمسيرة الإصلاح السياسي في مصر ويدفع بعملية التحول الديمقراطي نسبيًا إلى الأمام، خاصة وأن البرادعي يحظى بجماهيرية عالية ويتمتع بقبول جيد لدى المجتمع الدولي، كما أنه يتمتع بخبرة سياسية عالية ويعرف كيف تطبخ السياسة على الصعيد الدولي وذلك من خلال قربه بدوائر صناعة القرارات المصيرية في أمريكا وبريطانيا والإتحاد الأوروبي، فخبرته واحتكاكاته وعلاقاته جعلته قادرًا على فهم ما يجرى في المطبخ السياسي العالمي وقادرًا أيضًا على التنبؤ بالقرارات المفصلية في مجال السياسة والعلاقات الدولية، ومن ثم إتخاذ القرارات المصيرية ليس بمعزل عن المتغيرات العالمية والمناخ العالمي الجديد.
ولا أكون مجاملاً للبرادعي ولا مبالغًا إذا قلت أنه سيكون المُرشح الوحيد المُتكافئ نسبيًا أمام الرئيس مبارك، ووقتها سنعترف بوجود منافسين حقيقيين للرئيس مبارك، بعد مهزلة وتمثيلية الانتخابات الرئاسية الماضية التي أعلن فيها رؤساء احد الأحزاب ترشيح نفسه للرئاسة ويوم الانتخاب أعطى صوته للرئيس مبارك!!!

فمصر تحتاج بحق إلى شخصية ليبرالية غير عقائدية تحكم، وهذا يتوافر في البرادعي، فمطلب البرادعي للرئيس مبارك بتغيير الدستور المصري الحالي لأجل صياغة وضع سليم يقوم على إعادة فرز القيم المجتمعية القائمة في الوقت الحالي مطلب هام وضروري في ظل دستور عتيق ومهلهل لا يتناسب مع المتغيرات التي يموج بها المجتمع الدولي.
وأقولها بدون أدنى مبالغة أنه لو رشح الدكتور البرادعي نفسه فعلاً في الانتخابات الرئاسية القادمة فسوف يحصد أصوات الأقباط والبهائيين والمتنصرين والشيعة وكثيرًا من أصوات المسلمين الليبراليين المعتدلين، ومن المرجح أيضًا أن يفوز بمنصب الرئيس في حالة وجود رقابة وإشراف دولي وقضائي وحقوقي نزيه وشفاف على جميع مراحل العملية الانتخابية.
فترشيح البرادعي سيصب في كل الأحوال في صالح مسيرة الإصلاح الديمقراطي والسياسي في مصر لأنه سيجعل التنافسية في الإنتخابات الرئاسية تصل إلى أعلى مستوياتها، وسيتنافس المتنافسون على المنصب على صالح المواطن ومستوى معيشته في المقام الأول بعد أن انحدرت مستويات معيشة المواطنين إلى الحضيض وانخفضت جودة الخدمات التي تقدم لهم في التعليم والصحة والزراعة والصناعة و.. و..، وهو ما يدفع بالرئيس مبارك أن يضع برنامجًا انتخابيًا يلتزم فيه أمام الشعب بتحسين مستوى معيشة الأفراد في كافة المجالات والالتزام بتحقيق تحول ديمقراطي وإصلاح سياسي في مصر.
وأطالب البرادعي أن لا يخزل الجماهير العريضة التي تنتظر ترشيحه لهذا المنصب وذلك لأجل مصلحة مصر، وعليه أن لا ينظر إلى النتيجة لأنها كالعادة محسومة لصالح مبارك، بل ينظر إلى ما سيصاحبه قرار ترشيحه من تغييرات مهمة وجوهرية في البرنامج الرئاسي للرئيس مبارك، ولكي نقول أن حراكًا سياسيًا فعليًا بدأنا نستشعر به في مصر!

شارك بآرائك وتعليقاتك ومناقشاتك في جروبنا على الفيس بوك أنقر هنا
أعرف مزيد من الأخبار فور حدوثها واشترك معانا في تويتر أنقر هنا
  قيم الموضوع:          
 

تقييم الموضوع: الأصوات المشاركة فى التقييم: ٤ صوت عدد التعليقات: ٧ تعليق